|
الشاعرة هدى أبلان والدكتور عبدالكريم قاسم في ضيافة مؤسسة العفيف
نظرا لكثرة الجدل الدائر في الأوساط الثقافية حول وضع الثقافة اليمنية
والأزمة الحقيقية التي تعيشها على صعيد الواقع المعاش فقد خصصت مؤسسة
العفيف الثقافية فعاليتها لهذا الأسبوع لمناقشة واقع الحركة الثقافية
اليمنية من خلال القراءة لما استجد في المشهد الثقافي اليمني خلال الفترة
بين عامي 1990م -2008م ، وهي الفترة التي شهدت ميلاد العديد من المواهب
الابداعية والثقافية الخلاقة .
وفي الفعالية التي حاضر فيها الدكتور عبدالكريم قاسم أستاذ الفلسفة بكلية
الآداب جامعة صنعاء ،عضو الأمانة العامة لاتحاد الادباد والكتاب اليمنيين
تحدث في البداية عن أن عنوان الفعالية واسع وكبير جدا كون محاولة الالمام
به أو التطرق لجزء منه تحتاج الى جهود متكاتفة ، وعدد من النقاد والمفكرين
للقيام بذلك .
وأشار الدكتور قاسم الى أن الوحدة اليمنية التي نعيشها الآن ونحاول أن
نناقش الثقافة من خلالها ، فهي - أي الوحدة كانت موجودة ثقافيا ولم تكن
منعدمة الا لدى الساسة .
ونوه بأن المسألة المؤسساتية في الحركة الثقافية اليمنية تكاد تكون معدومة
بسبب التخبط الحاصل في سلم هذه الحركة والمتمثل بوزارة الثقافة التي ظلت
طوال الفترة السابقة دون استقرار بسبب عدم إدراك الأهمية التي تقوم بها
ووظيفتها المنوطة بها ، الأمر الذي جعلها تعيش في إطار التهميش فترة طويلة
من الزمن من خلال ضمها حينا الى وزارة الإعلام وأحيانا الى وزارة السياحة
وفي الوقت الذي تم فيه استقلالها لم يتم منحها حتى مقرا رسميا مثل بقية
الوزارات ، ناهيك عن شحة الموارد والمخصصات التي تتبعها ما جعلها تفشل
حاليا في إصدار المجلات التي كانت تصدر سابقا وخاصة في عهد ما قبل الوحدة ،
أمثال مجلة الثقافة الجديدة واليمن الجديد والاكليل .
وقال قاسم : حتى السينما تراجعت مؤخرا بشكل كبير أدت الى ظهور مؤشرات تؤكد
تراجع الحركة الثقافية في اليمن ، فيما الحركة المسرحية شهدت نكوصا كبيرا
مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الوحدة ، مما يعني أن الحركة الثقافية
اليمنية مضت الى الخلف وشهدت تراجعا كبيرا عكس ماكان يؤمله المثقفون
اليمنيون الذين عقدوا الآمال على الوحدة التي كانوا هم أول دعاتها وظنوا
أنها ستكرس جهودا كبيرة من أنشطة الحكومة لدعم الحركة الثقافية التي هي
أساس التنمية والبناء والنهوض ولو على الأقل كحق بسيط من حقوق المواطنة .
ثقافة الفساد
وانتقد قاسم الذين يرفعون شعارات الانفصال والدعاوى المناطقية بسبب ما
يقولون عنه انه الحل للأزمات التي تعيشها اليمن في الوقت الراهن وقال :
ثقافة الفساد انتشرت بشكل فظيع الى درجة وصلت معهما الى البيوت والشارع
والمؤسسات وكأنها شيء مألوف لكن هذا ليس معناه أن نحمل الوحدة ما لا تحتمل
، بل يجب الوقوف ضد الظواهر السلبية ومعاونة الحكومة في مكافحة الفساد
واجتثاث منابعه ، مع الأخذ بعين الاعتبار بضرورة تصويب أخطائها التي تؤدي
في كثير من الأحيان الى تذمر العديد من المواطنين الذين يضيقون ذرعا بالوضع
المعيشي القاسي والفساد المستشري في العديد من المرافق الحكومية .
وذكر الدكتور عبدالكريم قاسم ان الوحدة كان لها فضل كبير في ايجاد عدد
هائل من مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي كان في مقدمتها المؤسسات
الثقافية التي ساعدت على انتشار وطباعة الكتاب بشكل ملحوظ مقارنة بما كان
عليه الوضع قبل الوحدة ، وهو ما يعد من الثمار الناضجة التي جناها المثقف
اليمني في عهد الوحدة المباركة ، ومن خلال الاحصائيات التي ترد من دار
الكتب والمؤسسات الثقافية كالعفيف والسعيد واتحاد الأدباء ودار عبادي يجد
الإنسان مؤشرات حميدة وكبيرة تدل على تقدم الحركة الثقافية في اليمن وخاصة
أنه توجد لدينا أسماء ورموز ثقافية وشعرية يمنية تضاهي أو قد تفوق العديد
من الأسماء العربية الشهيرة ، وليس من مشكلة في ذلك سوى ضعف الجانب
الترويجي والاعلامي وضعف الجانب النقدي الجاد الذي يمكن أن يبرز تلك
الجوانب المضيئة في الحركة الشعرية والأدبية الثقافية اليمنية بشكل عام .
وأكد على ضرورة الاعتراف بأن الممارسة السياسية بعد الوحدة دمرت الكثير من
الممارسات الثقافية بسبب طغيان جوانب سلبية كالمذهبية والمناطقية التي لا
يستطيع المثقف التعامل معها أو موافقتها .
تأصيل القضية
من جانبها تحدثت الاستاذة هدى أبلان، الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين قائلة : أن الوحدة كانت هي فاتحة في جدار الحياة التي انهكها
التشطير وما ترتب عليه من آثار نفسية وثقافية واجتماعية وسياسية وكانت خلقا
لمرحلة ثقافية حقيقية اخصبت فكرة الوحدة الحلم ، السحر التخيل المقدس، وهذه
المرحلة الثقافية التي اسست للوحدة باعتبارها فعلا قادما ذات يوم على أجنحة
فيها الكثير من المثاليات .
الوحدة كتبت لها أجمل الاغاني والقصائد والسرد والمقالات وأريقت من أجلها
أزكى الدماء لنبلاء كافحوا وناضلوا عنها ولاجلها وهم في الغالب أدباء
ومثقفون حقيقيون كافحوا على محراب تحققها واخراجها الى الواقع عبر الانخراط
في أشكال نضالية مختلفة، مؤسسات أحزاب ونقابات على رأسها طبعا كان اتحاد
الادباء والكتاب اليمنيين والدخول في العمل السياسي الدستوري لتأصيل قضية
الوحدة التي هي حلم الشعب اليمني انذاك .
وأشارت أبلان الى أن الحركة الثقافية اليمنية منذ عام1990م وحتى الآن قد
كشفت عن عدة سمات من أهمها الاحساس المبكر بان النضال والثقافي منه تحديدا
قد تم تجاوزه والنجاح فيه وتحققت الوحدة ، ارتباط الوحدة بمسألة
الديمقراطية والتعددية السياسية وتنوع وكثرة المنابر الإعلامية والثقافية ،
الاشتغال على مجتمع ديمقراطي تعددي بأحزابه ونقاباته وأفكاره ورؤاه .
حقوق الاشتغال الثقافي الإبداعي على قضية الوحدة والتحول نحو فرز سياسي
لكل ما يحدث من خلال لغة الإعلام والصحافة الآنية على عمق الخطاب الثقافي
لقضية الوحدة .
وأكدت أبلان بالقول : أن العملية الإبداعية والثقافية التي حاولت النأي
بمشروعها عن الضجيج الذي أحدثته الديمقراطية من مظاهر استفادت من المناخات
القائمة لضخ المزيد من الحرية في النص باعتبار أن السياسي الذي يكسر في
بعضه قد أتاح هامشا للثقافي لأن ينطلق في الابداع فظهرت الكثير من الأسماء
والكثير من الكتب والمؤسسات الثقافية التي تبارت على إعداد برامجها
الثقافية وفتح أبوابها للجديد والشاب في الكتابة الابداعية.
أفكار مختلفة
وفي معرض حديثها عن الأدباء والمثقفين التسعينيين الذين هي منهم ، قالت
أبلان أنهم قطفوا ثمار نضالات الرواد في العقود السابقة الذين انضجوا قيمة
الوحدة المرتبطة بالديمقراطية وسكبوا حينها حبرهم وصولا الى ما تحقق كتجسيد
للنجاح الثقافي والسياسي في مواجهة الاحباطات والخيبات العربية المتلاحقة
.. لذلك فالتسعينيون كتبوا مشروعهم الإبداعي الثقافي الذاتي كما يعنيهم
أولا ، ولم تعد شعارات الوحدة تعينهم أصبحت هنالك تطلعات لقيم وأفكار
مختلفة للمزيد من الحريات ، للسؤال الإبداعي غير المثقل بالسياسي لقيمة
الاختلاف ، لحيوية النص ، لمواكبة ومحاذاة الكتابة الجديدة في العالم .
واشارت أبلان الى أنه ليس هناك توازن بين ما أوجدته الثقافة اليمنية وأثرت
في خلقه على المستويات السياسية والاجتماعية ، وبين ما ينبغي أن تحظى به
الثقافة من احتفاء رسمي وشعبي ، أصبح المثقف تطحنه الظروف الاقتصادية وهناك
مسافة بين عقله وما يحتاجه من ادوات المعرفة ، لأنه مشغول برغيف الخبز ..
ينبغي أن نبحث عن مشاريع ثقافية تخدم المثقف بحيث يحيا كريما في اطار حرفته
وموهبته .
وعن دور اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في الواقع قالت ابلان : اليمن هو
البلد الذي كان فيه أدباؤه مثقفوه سباقين في توحيده فتجربة الاتحاد في هذا
الاتجاه ذات خصوصية بمعنى ان قادته هم الذين أسسوا القضية الوحدة ثقافيا
وسياسيا والمشاركة في خضم الاجراءات .
مختتمة حديثها بالتأكيد على ان الدور الاكبر لاتحاد الادباء كان في تحقيق
الوحدة .
بعد ذلك تم فتح باب النقاش للحاضرين الذين اثروا الحلقة النقاشية بعدد من
الآراء والتصورات التي ميزت الفعالية ، ومضت بها الى آفاق أوسع كانت كفيلة
بإيضاح مجمل واقع الحركة الثقافية اليمنية ، ومكامن الأزمة الحقيقية التي
تعيشها الحركة الثقافية والمشهد الثقافي اليمني الذي يعاني منتسبوه من ضيق
المعيشة في ظل الحياة الصعبة .
وقد أكد الدكتور عبدالكريم قاسم من خلال رده على المداخلات أن المثقف
اليمني ما يزال غائبا وغير موجود في مفاصل الدولة ، الأمر الذي يعني أن
هناك تهميشا وإقصاء له من قبل السياسي .
واستغرب قاسم من صراخ الحكومة والدولة وقت اشتداد الأزمات ومطالبتهما
المثقف بأن يقوم بدوره إزاء ذلك ، فيما هو مهمش طوال بقية الوقت ، ولا يعرف
دوره إلا حين ترتفع الأصوات النشاز التي تتخذ المناطقية البغيضة ، أو
المذهبية أو الانفصال شعارا لها .
مؤكدا أن القضية الوطنية تقف على ثقافة المواطنة الحقة ، وانه لا يمكن
للمواطنة الحقة أن تكون متزنة بدون وجود مواطنة متساوية ، .
واختتم ردوده بالقول : أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كان ولا يزال له
دور فاعل ومؤثر في الدفاع عن الأديب .. إضافة الى قيامه بدوره التنويري
الثقافي الذي يعد من صلب أهدافه واهتماماته .
وهذا الشيء هو ما أكدته هدى إبلان في ردها على تعقيبات المداخلين ، والتي
تطرقت الى الدور البارز الذي لعبه المثقف اليمني واتحاد الأدباء خاصة في
تحقيق الوحدة ، الى جانب الجهود المبذولة حاليا من اجل تمكين المثقف
والأديب من العيش الكريم عن طريق توفير السكن له الذي يواصل الاتحاد العمل
في هذا الصدد حاليا ، حسب التوجيهات العليا لفخامة الأخ رئيس الجمهورية
بصرف أراض لكل الادباء .
واختتمت حديثها بذكر ما كان للأدباء من دور بارز إبان التشطير حين كانوا
رسل سلام بين قيادتي الشطرين اثناء النزاعات ، موضحة المخاطر الجسام التي
تعرضوا لها آنذاك بسبب آرائهم الوحدوية ودفاعهم المستميت عن الوحدة ، والتي
جاءت كنتيجة حتمية لنضالهم الطويل الذي تتوج في الثاني والعشرين من مايو
1990م
|