|
ومضات على هامش صباحية شعرية للشاعر الكبير محمد حسين هيثم

د.
عبدالعزيز المقالح
في
الاسبوع الماضي اقام اتحاد الادباء فرع صنعاء صباحية شعرية بديعة احياها
الشاعر الكبير محمد حسين هيثم رافقت الصباحية احتفالية تكريم تمهد لاحتفاء
اكبر بشاعر كبير هو اشعرنا جميعاً دون مبالغة..
ولو كان في اليمن عشرة
شعراء كبار - في الابداع لا في السن - لكان محمد حسين هيثم واحداً منهم،
ولو كان هؤلاء الكبار خمسة لكان واحداً منهم ايضاً.
فقد استطاع محمد ان يفك شفرة القصيدة منذ وقت مبكر تجلى ذلك في محاولاته
الأولى، كما استطاع ان يمتلك - منذ تلك البدايات - لغته الخاصة وصوته
الخاص.. ومنذ مجموعته الاولى (اكتمالات سين) وهو الشاعر الجديد الأجد الذي
تتصاعد وتيرة شاعريته دون أن تعرف الوقوف أو التراجع.
واسمح لنفسي - وقد شهدت الاحتفالية التكريمية التي رافقت الصباحية الشعرية
البديعة لشاعرنا محمد حسين هيثم - اسمح لنفسي بان اصارح الاخوة في اتحاد
الادباء بأن ما تم لا يعد تكريماً كما اعلنوا عنه في وسائل الاعلام وانما
هو مقدمة للتكريم الحقيقي الذي نتمناه لشاعر مبدع متألق.
وتكريم المبدع في زماننا يتمثل في تكريم ابداعه، وتكريم الابداع يتجلى في
دراسته واضاءة توهجاته بالنقد والتحليل ولكي يتحقق ذلك لا يمكن أن يتم
الاعداد له في اسبوع أو حتى في عدد من الاسابيع اذ لابد ان يعطى المحتفون
بهذا الابداع وقتاً كافياً من الزمن يساعدهم على الاقتراب من عالمه وابعاد
تجلياته.
ومن هنا فقد استطاعت تلك الالتفاتة التكريمية المرافقة للصباحية الشعرية ان
تلفت الانتباه الى ما ينبغي أن يتم وان يتولى اتحاد الادباء بكامل هيئاته
وفروعه الاعداد لاسبوع الشاعر محمد حسين هيثم تتم فيه قراءة الابحاث
والدراسات التي تتناول انتاجه الشعري واضافاته العميقة والمدهشة الى الحركة
الشعرية الحديثة في بلادنا عبر مرحلة تقترب من ثلاثين عاماً احتضنت جيلاً
من المبدعين بدأوا مع هيثم وتركوا بصماتهم الطازجة والمدهشة على جسد
القصيدة التي انتقلت معهم في الثمانينات الى طور جديد وطرحت من الاسئلة
المستقبلية ما تجسدت الاجابة عليها في حاضرنا الشعري.
وحبذا لو تناول البحث دوره في اتحاد الادباء ليس في السنوات التي تولى فيها
الامانة العامة وانما منذ تفتحت عيناه على هذا الاتحاد الوحدوي العتيد وفي
يقيني ان الجيل الجديد من المبدعين سيظل يتذكر ان اكبر عدد من الاعمال
الادبية تم طبعها في عهد أمانته وهذا ما يعترف ويقر به الجميع ويؤكدون عليه
وفاءً لمبدع أثرى الساحة الأدبية بابداعه الشعري والنثري وبمواقفه
الانسانية الخالية من التشنج وافتعال البطولات
هيــثـم
هدى
أبلان*
محمد حسين
هيثم...
كيف يمكن أن
نقدم مثل هذا الشاعر الكبير والنقابي المهتم بكل تفاصيل الثقافة ويومياتها.
فشاعرٌ.... هو واحد من خمسة "حسب تعبير الدكتور عبد العزيز المقالح" يعدون
من أهم الشعراء في الوطن اليمني، ذلك أنك عندما تقرأ هيثم تجد الموهبة تفيض
من كل الجوانب وتجد القراءات والثقافة الواسعة، وهندسة النص والتجديد
والاختلاف، وفوق كل ذلك تجد الخصوصية التي تضعه من أهم شعراء الوطن العربي
وهو الشاعر الذي ولد كبيراً...
ونقابيٌ...
هو الاتحادي الذي يدخل في نسيج العمل النقابي بكل محبه ونشاط، ويكفي أنه
رائد مشروع الكتاب بٍلا منازع داخل الاتحاد، حيث في عهده وجد عضو الاتحاد
فرصته في أن تطبع له وأن يخرج إلى الضوء من مؤسسته هذه.
وإنسانيٌ...
هناك جوانب تضيء القلب في شخصية الأستاذ هيثم، فهو المبدع الذي يعيش مع
زملائه تفاصيل الفرح والحزن في حياتهم....
تدمع عيناه
عندما يناقش بحس إنساني راق مشروع قصيدة هو ذاته يجسدها على الأرض وينير
بها جهات المكان، وعندما نتحدث عنه اليوم مبدعاً حقيقياً وأصيلاً ونقابياً
فلأنه أضاف للاتحاد كثيراً من العمل والدأب والإنسانية.
الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين*
هيثم شاعر
كثير وجيل لا يختزل في أسطر قلقة
رياض
السامعي
ادئ الخلق
كانت الأرض قصيدة وأظنها لمحمد حسين هيثم فمن الظلم أن يعرف المعرف ومن
الإجحاف أن يختزل جيل في بضع أسطر قلقة وجمل مضطربة.
- رائدٌ من
رواد قصيدة النثر أفنى شبابه وزهرة حياته لكي يكتب القصيدة وبإخلاصه
العجيب للنص
استطاع أن يبؤ قصائده مكانة مرموقة ويكسبها صفتي الخلود والتجدد وأن ينقشها
على جدران قلوبنا.
- لا أكتمكم
حديثاً أني أجد رغبة عارمة للوقوف على رؤوس أصابعي محاولاً كذلك أن أشرئب
بعنقي لعلي أقترب من قمة هذا الجبل الشامخ وأن أزاحم بمنكبي الهزيلين ما
استطعت إلى ذلك سبيلاً شاعراً جليلاً عريض المكبين طويل القامة دائم
التحليق ملأ الدنيا شعراً وحباً.
هذا هو الشاعر
/ محمد حسين هيثم كما قدمه الشاعر الشاب / عبد الرقيب مرزاح الوصابي في
احتفائية منتدى الاثنين الثقافي الأدبي في الأمانة العامة لاتحاد الأدباء
والكتاب اليمنيين عبره تكريم رواد الأدب والإبداع في بلادنا.
" هيثم "
الشاعر الكثير والنقابي الواسع حضرت "الثقافية" الاحتفاء به الاثنين الماضي
وأعدت هذا الملف إسهاما منها ومواصلة لتكريم رواد الثقافة اليمنية.
ملامح من
التجربة النقابية لهيثم
أحمد ناجي أحمد
منذ اللحظة
الأولى لصعوده إلى الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
ولدورتين انتخابيتين جمعتنا في الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين منذ عام 1993م وحتى أبريل 2001م كان الأستاذ/ محمد حسين هيثم يتجه
إلى الثقافي في جدول عمل الاتحاد ومن مكانه كأمين ثقافي أبدع محمد حسين
هيثم في تجربة مهرجانات الأدب اليمني وفي الفترة الذي عملنا فيها معاً في
الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أحتل قضية مهرجان الأدب
اليمني أولوية خاصة في عمل محمد حسين هيثم الثقافي، وفي الدورة الانتخابية
التي انتخب فيها محمد حسين هيثم أميناً عاماً لاتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين شهد اتحاد الأدباء أوسع عملية نشر للكتاب منذ تأسيس الاتحاد وبهذا
المعني يهمني أن أشير هنا إلى أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كمؤسسة
إبداعية لا يمكن اختزال إنجازاتها بفرد بعينه فالإنجاز يرتبط بمجموع
الأمانات العامة المتعاقبة على قيادة الاتحاد ولكن الحق الذي ينبغي قوله أن
اهتمامات الأستاذ محمد حسين هيثم في الجانب الثقافي على صعيد الإصدار كانت
هي الأبرز في مسيرته النقابية، وينبغي القول أن الأمانة العامة لاتحاد
الأدباء والكتاب اليمنيين منذ عام 1993م قد أنجزت -في ظل الأستاذ الأديب
الشاعر/ إسماعيل الوريث الأمين العام الأسبق لاتحاد الأدباء والكتاب
اليمنيين – مهمة إعادة بناء مقر الاتحاد المؤجر كفندق في خور مكسر
بالعاصمة الاقتصادية عدن، كما أنجزت عملية شراء مقر الأمانة العامة لاتحاد
الأدباء والكتاب اليمنيين بصنعاء وإقامة مهرجان الأدب اليمني وكذا استثمار
مقر الاتحاد كفندق في العاصمة الاقتصادية عدن، وهو الأمر الذي وفر إمكانات
مادية ساعدت الأمانة العامة بقيادة محمد حسين هيثم في شراء مقر جديد
للاتحاد بالعاصمة الاقتصادية والتجارية عدن وكذا تسيير قافلة ثقافية إلى
حضرموت وتشجيع الرحلات الثقافية بين الفروع كما حدث بين فرعي الاتحاد في
الحديدة وحضرموت، وأنجزت أوسع عملية طباعة للكتب قاربت المائتين كتاب،
وبالمثل واصلت الأمانة العامة الحالية لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
بقيادة الأستاذة الشاعرة/ هدى أبلان ما بدأته الأمانة العامة السابقة على
الصعيد الثقافي فخلال عام واحد على تحملها مسئولية الاتحاد اهتمت بمواصلة
المشروع الثقافي على صعيد النشر وعملت على تنشيط العمل الثقافي في الفروع
وكذا تنشيط الفعاليات الثقافية من خلال إقامة مهرجان الأدب اليمني في
العاصمة الاقتصادية عدن سنوياً وكذا تكريم المبدعين اليمنيين الذين لهم دور
متميز في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وإقامة نشاط ثقافي مركزي
أسبوعي متمثل بمنتدى الاثنين وعلى الصعيد الاجتماعي اهتمت بالبعد
الاجتماعي من خلال تكوين صندوق الرعاية الاجتماعية برأس مال تجاوز العشرين
مليون ريال لمساعدة المبدعين الذين يعيشون ظروفاً صحية بالغة الصعوبة، كما
عملت الأمانة العامة الحالية على زيادة مساحة إسهام اليمن في النشاط
الثقافي العربي لاتحاد الأدباء والكتاب العرب من خلال استضافة اجتماع
المكتب الدائم لاتحاد الأدباء والكتاب العرب في صنعاء، وكذا الندوة العربية
والتي تحتفي بالعلامة اليمني ابن خلدون بالمناسبة الذكرى المئوية السادسة
على وفاة هذا العالم الكبير وهي ندوة مصاحبة لاجتماع المكتب الدائم لاتحاد
الأدباء والكتاب العرب.
إن هذا
النشاط المتميز للأمانة العامة الحالية لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
يعد خلاصة تجربة خصبة شاركت فيها مختلف القيادات المتعاقبة على الأمانة
العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.
وفي ضوء هذا
المعطى يمكن قراءة تجربة الأستاذ محمد حسين هيثم النقابية في سياق دراسة
تاريخ اتحاد الأدباء ودوره المضيء في الحياة الوطنية والثقافية وفي سياق
خصوصية الدور الذي تميز به محمد حسين هيثم في الاهتمام بمشروع النشر
والطباعة للكتاب ضمن رسالة الاتحاد الثقافية والتنويرية على المستوى
الوطني.
محمد حسين هيثم.. صناعة القصيدة
إبراهيم محمد طلحة
ها.. ها..
ها.. هيثم.. للحروف مذاق لذيذٌ مع هذا الشاعر، وللقصيدة نكهة زكية في
أعماله، هيثم الذي ينتمي إلى عالم خاص، ويمتح من ماءٍ غير آسنٍ.. هيثم
الشاعر الفتى، والأديب الفارس، هيثم الشبيه رقم (1)واحد، والشبيه رقم (40)
أربعين، والشبيه الحادي والأربعون بهيثم نفسه.
هيثم الحرف
والجملة والعبارة والقصيدة .......، نحن أمام صناعةٍٍ بأعلى المواصفات
الفنية، على وفق معايير الجودة ومقاييس الإبداع. نحن بالفعل نقرأ شاعراً
شاعراً، ونَصفُ شعراً شعراً، ونعايش أنفاس القصيدة لحظة بلحظة، كل هذا
يحدونا إلى استكناه المزيد من صور الأداء لدى هذا الشاعر ويدعونا إلى تمحيص
صنعته الشعرية التي تتطلب جهداً إبداعياً موازياً، وتحتاج إلى استحضار
الوجود الإنساني المثالي بأبعاده السيكيولوجية وأنساقه المنهجية متعددة
التفريعات "الواقعية –السوريالية- السسيولوجية- الجشطالتية.... الخ".
هيثم.. قصيدة
من حرف، وحرف من قصيدة، كتلة من شعر، ومساحة من خيال.. شاعر يعبر عن روح
القصيدة، ويعبُر إلى كبد الوجود الآخر ممتطياً صهوات خيله المستعدة للنفرة
دائماً.
إن صناعة
القصيدة عند "هيثم" صناعة خام، وهو وحده يستحق براءة الاختراع في هذا
الصدد، ومع ذلك فإن قدراً من الاقتراحات النقدية يكاد يكون رصداً لا مندوحة
عنهُ لتجربةٍ إبداعية لا يمكن تجاوزها:
1- خفوت تقنية
التناص عند الشاعر تقتضي سؤالاً عما إذا كان ذلك يمثل سمة إيجاب أم سمة
سلب؟، خاصة وأن التناص قد يقابل في توالياته هوية أخرى للنص، فهل راجع هيثم
نفسه، في ذلك؟.. إذا لم يراجعها فليراجعها بعد الآن، وسيجد ضالته.
2- حضور
الرمز في أعمال الشاعر تحكمه طريقة أقرب إلى النزعة الذاتية، وكأن حالات
الاستغراق في القصيدة الهيثمية على المستوى الرمزي حالات فردية الصورة
محدودة المساحة.. هكذا يشكلها ويخلق لها حضورها العدمي في عالمه.
3- الإيقاعات
الهيثمية تميل إلى أن تكون أصواتاً افتراضية تتجدد داخل نفسها ولا تستلزم
الانتماء إلى اتجاه إيقاعي بعينه، وهذا يستدعي سؤالاً عن مدى التوفيق بين
الإيقاعين السَّمعي والبصري؟! التوفيق التناسبي لا أكثر.
4- صدور النفس
الشعري في مجموعات هيثم لا يأخذ نسقاً جمعياً دائماً، ولا ينشأ بالضرورة من
مخزون وعيه الشعري الجمعي، بل من مخزون وعيه الذاتي/ الشخصي منصهراً في
قوالب الوعي الجمعي، ومضافاً إليها. وبقدر ما في ذلك من حداثة وجمال فإن
فيه مجازفة –وإن كانت غير خطيرةٍ- بقوانين التمرد الأدبي المصطنعة أصلاً.
5-يستدعي
النظر في مجموعات هيثم قراءة عوالم الشاعر من منظور وراء حياتي، ومن خلفية
ثقافية ما بعد توقيفية وفي ذلك مدعاة إلى اقتراح أن يكون الشاعر عوالمة
بطرائق تكتيكية تؤدي إلى إشراك المتذوقين معه في صناعة قرارات المتعة.
6- كينونة
النص الهيثمي ربما تفتقد إلى لبنات البنية الداخلية التي تتشكل في الغالب
من مجموع البنى اللغوية في مستويات اللغة العليا –كما يسميها جان كوين- وهي
توليفة وحدات وعناصر لغة الـ"ستاندر".
7- كانت
الشجاعة الأدبية مطلوبة في معرض اقتباسات الشارع من الرؤى الدياليكتيكية
ذات الطابع الجدلي الذي قد يتوزع عنده على مسارين: آني /أنوي، وامتدادي/
اجتماعي..
8- انتماءات
الشاعر التعبيرية تنامت في اتجاه متوازٍ مع نفسه، وهذا جعل الفتى (م)
يستدرك على نفسه آفاقاً هي في واقع الأمر أكثر سعة ورحابة –هل ذلك على غرار
"استدراكات الحفلة"؟! –ولهذا نجده في "مرثية الفتى (م) مجموعة "الحصان"
"يلتزم" –على حد اختيار أستاذنا الدكتور/ عبد العزيز المقالح- يلتزم
استخدام الكلمات بما يوفر مناخات معينة، حيث يقول:
ها أنت تخرج
ملتحفاً جلدك المأتميّ
منتعلاً قلبك
الآن
محتشداً في
القطار الأخير
وكنت تحاول
عشقاً
فتبكي
وكنت تسافر في
وحشة المتعبين
تعلق زهرة
حزنك فينا
وكنت تلوذ
بصخر الدموع
تخبئ وجهك عنا
وتخلع قلبك في
الردهات التي كنت منتشراً
كالطحالب فيها
ها أنت تعلق
يوماً مضى
وتشنق يومك
هذا
وترحل دون
اتجاه
وقد قاسمتك
القصيدة، أشلاءها
لاحظ تنامي
المناخ الميميّ من مرثية –م- إلى كلمات من قبيل: ملتحفاً –منتعلاً-
محتشداً- متعبين- منتشراً- مضى... هكذا لهيثم حراكٌ مفاجئ يحتاج إلى حراك
ذهني خصب لكي نتمكن من الرُّسُوّ على مرافئ خيال هذا الشاعر التي صنعت من
ألواح الروح ودسر فضاءات العشق معلقة إلى القلوب التي تبحث عن صيرورة
القصيدة، وجمالياتها، وروافد ديمومتها على صعيد تناظرات: الفكرة –الرؤية-
البديهة- الأسلوب. ويظل "هيثم" صاحب تجربة ريادية في صناعة القصيدة تجربة
أصيلة لا يمكن أن يقال في حقها إلا "النسخة الأصيلة... أحذروا التقليد"!!
النواتج الدلالية في استدراكات الحفلة لمحمد حسين هيثم
صدام
نجيب الشيباني
من خلال
التأمل في لعبة الدلالات في النص نقرأ النواتج الدلالية المتشكلة في النصوص
التي تختلف باختلاف التشكلات المظهرية وتجليات العلامات النصية مرتع، خصب
في استدراكات الحفلة للشاعر / محمد حسين هيثم ، لأن الشاعر اعتمد على رؤية
فلسفية لقولبة النص، مقترباً من مسألة الإفراد أو التركيب ومركزاً على
اللغة وما توافق معها في قراءة النواتج الدلالية.. ونظراً لطبيعة الاختلاف
الكتابي في الديوان ظهر الناتج الدلالي بأساليب شتى وطرق كتابية متعددة،
تختلف باختلاف طبيعة الرؤيا في النص ومحسوبية الأشباه والنظائر أهمية لكنها
تغوص في عالم السيمياء وما يمكن أن تؤديه الثغرات الداخلية في النصوص.
اقتراح سوسير
بدراسة الحالة الثقافية للمجتمعات يفكك البنية الثقافية، وعلى اعتبار أن
الثقافة تنشأ من لغة المجتمع، هذه اللغة تحتوي أنماطاً من التراكيب
اللغوية، على أن البنية الثقافية تتكون من أشكال عدة وبواسطة ملاحظات
إضافية في دراسة المجتمعات، اكتشفت الثقافة بأنها عباءة يخرج منها النص،
هذا النص لا يتساوى جنسياً في كل المجتمعات، فنهاك مجتمعات تميل إلى جنس
القصة ومجتمعات تميل إلى كزار..... لكنك ستوقن أن هذه الأشكال الثقافية
ترتبط بعلاقات تختلف باختلاف طبائع المجتمع في قبول هذه الأشكال.
ثم بفعل
العلاماتية تستحيل هذه الارتباطات العلائقية إلى علامات تجاور بين الأشكال،
وعلاقات تداع، نزولاً عند رغبة المجتمع في التغيير الأيديولوجي النصي،
وسنحاول أن ننقل هذه الرؤية من الشكل الثقافي إلى النص الأدبي الواحد،
وبطريقة علاماتية نقرأ النص لنستخلص ما علق به من علاقات منها:-
1) علاقة
التجاور:- وتظهر هذه من تراتبية النواتج الدلالية على مستوى الوحدة النصية
الصغرى، والتجاور الدلالي ما أقترن إلى جانب الدلالية الفرعية دلال أخرى
تقترب منها في التأويل وهي تعطينا مسلمات فكرية عامة تسمح بتجاور الدلالة
الأخرى وإلا لما قبلت جوارها، وإذا لم تقبلها أصبحت العلاقة تضاد، وإعطاء
الجانب النفسي حقه في هذه الدلالة يفسر لنا هذه البنية الدلالية. وعرفت
قديماً في النص الجاهلي.
في نص
"حضرموت" خاصية أنتجها في تبلور الدلالة من تعيين المكان، لكن البنى
الداخلية مخالفة لقصيدة صنعاء, وبني النص هنا وفق مقاطع متجاورة معنوياً،
ويبقى ثبوت الدلالة الرئيسة، إلا أن المكان كما في قوله "حضرموت سلة
إلهية".
والأهم من ذلك
علاقة حضرموت مكاناً بالبحارة، والعلاقة هنا تناهض، أي أن كلاً منهما يقوم
بمعاضدة الآخر، فحضرموت تبدأ تشيدها من محارة على يد بحارة وجبروتهم، حتى
وصلت سلة الهية يقول:-
حضرموت/ سلة
إلهية/ ينقسها بحارة/ ذو مباءات زرقاء/ بحارة يردمون الليل على نساء
العواصم/ يسورونهن بالمباخر والشجر المر/ ويرصعونهن باللهاثات!
وفيها تجلت
ثنائية البر والبحر بشكل استعراضي من تشكلات اللغة المختلفة حتى البحارة لم
تكن معهم هذه القدرة في ردم الليل على نساء العواصم وزرع الحياة في المدن
من خلال تسويرهن بالمباخر والشجر المر، كذلك غرس الرغبة في الحياة والتطلع
إلى ماهو جميل.
فلم ينهض
البحارة إلا بوجود المكان، ولم تكن علاقة التماثل كافية، في حضرموت مع بقية
الموجودات في النص، سلة إلهية أو نحلة مرتجاة، لأن في وخز النحل علاج
يماثله وجود حضرموت الذي اختصر ما فعله التاريخ القديم في هذه اللحظات وهو
يركز أيضاً على فاعليتها وقوتها، وفي:-
حضرموت أقرب
من شهقة ولي
يزدحم بمروقات
لا تحد:-
-بصلاة جماعية
على الموج النائم
-بسماوات تصب
لبنها في الطاسات
-بحبل ليترجل
عن لانها ئية ويقسون
-ببحر تهر به
الأجراس المدرسية إلى السينما
يؤكد طهر
ونقاوة حضرموت مكاناً حين يقربها من شهقة ولي له مميزاته التي يتفرد بها في
تقربه إلى الخالق. بصلاة، بسماوات، بحبل، ببحر، .... وهو توكيد لقداسة
المكان، هذا التراسل الدلالي في الوحدات لم يعد ذات أهمية لأن بنية التأويل
تتوقع في قدسية المكان كل ما يمكن أن يعبر عنه وما لا يمكن أن تعبر عنه.
وفي " ثم لقيت
حضرموت"... تتحد الذات بها من خلال بنية الجملة "لقيت حضرموت، مناماتي،
حذاقاتي، وهي ترتبط بتكوينات الذات الشاعرة المعنوية، أي أنها أصبحت شيئاً
يتشكل في نفسيه الشاعر، وهي علاقة اتحاد بينهما، واصبح عالماً من هواء
وبحر يتغلغل فيه، إذ وهب نفسه فداءً لها ويمكن أن تذبحه لينام قرير الدم
صحنها الرؤوم، لأن الثعالب تجفف ربيعها، كذلك لأنه بايع الغراب في
الاستخلاف ولم يعد له مكاناً.
إنها حضرموت/
حضرموت الأحاجي/ حضرموت الوقت الملخز/ حضرموت التي رتبت بحراً/ وسهلاً/
وجبلاً، لم يكتف بذلك بل عمد إلى استخدام أسلوب التوكيد وعلاقة الوحدات
المتكونة بما قبلها تجاور معنوي فيها يسعى إلى أسطرة المكان.
2-علاقة
تداع:- فرضت هذه وجودها لأن علاقتها بالدلالة الناشئة تكميلية تقوم على
الجدليات، ولا بد من وجود معط فرض وجود هذه العلاقة في الناتج الدلالي
ولعملية التناص والأطراس دور في الدلالة المقطعية، كا في نص "عراء المكاربة"
أو نص "توم هاتكس" وهو مأخوذ من فيلم أمريكي، وسنقف هنا على نص "ملاذات
كنعانية؛-
نرجيلة في
الساحة الهاشمية
إلى / عبد
الكريم الرازحي
المبسم في
الشفتين/ الشفتان للقرقرة/ القرقرة دخان صائت/ الدخان حفرة في الهواء
الهواء حجرة
مفتوحة/ تنتظر هبوب الكنعانيات من المدرج الروماني.
يتبلور الناتج
الدلالي من خلال التداعي المعرفي في بنية الجملة الأسمية وبطريقة حلزونية
تتولد الدلالات في الوحدات الصغرى، المبسم/ الشفتان/ القرقرة/ الدخان/
الهواء.
والمحسوسات
البصرية والسمعية لا تذوب في النص، ولكن الدلالة تنشأ من الاستحقاق
والكينونة اللازمة, وما ملازمة الصفة والاخبار المفردات إلا علاقة على ثبوت
الصفات, واستخدام الملجأ التاريخي تنتظر هبوب الكنعانيات في المدرج
الروماني رؤية مناسباتية، والكنعانيات أيقونة تخفى خلفها عراقة النسب،
وأصالة الحضور المكاني المدرج الروماني استجمام عبر رؤية النص "نرجيلة في
الساحة الهاشمية، ولم يفك هذه الشفرة إلا الإهداء ورؤية النص أو ناتجة
ملتحمة بمناسباتية القول/ عبد الكريم الرازحي.
وفي نص
استدراكات الحفلة" استدعاء أو تنامي معرفي مأخوذ من الثقافة اليابانية، ولا
يمكن أن تفك شفرة هذا النص إلا من معرفة المصطلحات الواردة في نصنا.
1)يوكيوميشيما
2)الهاراكيري 3) فتيان الجيشا 4) الهايكو
وهي على
الترتيب:- روائي ياباني مات منتحراً 2)شخص موصى له رأس يوكيوميشيما ليحضره
إلى الحفلة 3)فاتنات مثيرات 4)نشيد ياباني.
ما قيمة هذه
الإحالات في النص، إن الذات الشاعرة اعتمدت على ثقافتها الخاصة, أيضاً
المقام ألزمها إحضار الرموز الثقافية اليابانية لتناسب حفلة السفارة
اليابانية وهذه الإحالة ولدت علاقة استبدال ثقافي، لأن الذات الشاعرة عانت
كما عانى يوكيوميشيما وهو يقاد إلى الزنزانة ولم تكن لتعرف /أن حفلة
السفارة/ موصولة بزنزانة/ وأن يوكيوميشيما/ خطط للهاراكيري ليرسل رأسه إلى
الحفلة نيابة عنه.
إذن سيميئائية
هذه البنى جعلت من اللغة عالماً أساساً في قصيدة النثر، وهذه العلاقات
داخلية في إطار التوالد الدلالي القائم على وظائف اللغة المتعددة، لاسيما
وأنت ترى ما للغة من دور إيجابي في تحديد هوية الرؤية.
ولا تنحصر
دلالة المفردة على أنماط استهلاكية في التوالي الشعري والدفقة الشعرية، لأن
المفردة تعتبر مؤشراً، وكما يسمونها إيقونة لما وراء اللغة المنسابة
أمامنا, وعندما تتأمل النص وتطبق ذلك تنظر إلى ما وراء الدلالة النصية،
وتتصل هذه بحالة التهيؤ لكتابة النص، ولعل قصيدة النثر تحقق نوعاً من هذا،
لأن النص الجديد يحاول أن يكسر ما بناه المتخيل الذهني بالنسبة للمتلقي،
ولأن الدلالة اللفظية تخرق قوانين اللغة المتعارف عليها فهي تحيلنا إلى
انزياحات وخروقات غير معهودة، وفيها أيضاً كسر لقداسة الدلالة وانحصارها
والنظام الدلالي للألفاظ ينبثق من علاماتية السياق، ونظام الخروج ومعياريته
ولا شك أن السياق الدلالي يحدد ماهية المفردة ويتدخل كذلك في معجميتها،
وكون النص شعرياً، فإن هذا التدخل يتحطم لأن اللامتوقع يحشر نفسه في هذه
العملية، وأصبح الطابع موسوماً بالاختيارية لكونها مؤشراً علامياً على قدرة
الشاعر العبقرية في الخرق اللغوي وقائمة تمثل الحداثة اللغوية وإلى أي مدى
ينزاح الشاعر عن درجة الصفر في الكتابة على رأي بارت.
والإيغال في
اللامتوقع ومؤشر اللفظ الدلالي لها ثلاثة تشكلات:-
1)اللفظ في
المستوى التركيبي
2)اللفظ في
المستوى الصوري
3)اللفظ في
المستوى اللغوي
كما هو
الملاحظ في النصوص، وفي نص "طوفان" كل هذا المطر المشتبك /نشيد مبحوح لا
ينقطع/ لرجل ندي/ تحت شرفة مغلقة/ لامرأة/ تتغطى بشعرها/ أمام مرآتها
الكبيرة(!)
يعتمد هنا على
اللغة بانزياحاتها وطرائق تشكلاتها الصورية تخلق عالماً خاصاً مقصوداً
تمحورت فيه الدلالة الأدبية، كما هو كل هذا المطر المشتبك نشيد مبحوح لا
ينقطع، علاقة التشبيه تكونت بفعل الترشيح الصوري المقصود بالانتساب، ودواعي
هذا النشيد امرأة تتغطى بشعرها، والاسترسال في النشيد يلازمه مكوث المرأة
في المرآة وهذا يعقد العلاقة مع تشابك المطر، فتكون علاقة المتشابهة محوراً
لإنتاج الدلالة وهي الشمول والتغطية بنوعيها السمعية وبالبصرية.
أما في نص
"تميمة" يتبلور الناتج الدلالي في هذا النص من السلسة الدلالية المنسوجة من
الأساليب التركيبية المتنوعة وفي طياتها تبرز دلالات الجمل وما حوت من
عوالم وأشياء كانت سبباً في إسقاط نصي "تميمة" هي المرأة، والحقو السخي،
والتميمة، إذ أن المرأة لا يمكن أن تحتفظ بريعانها إلا بوجود الحقو السخي
ولا يمكن الاحتفاظ بقوامه إلا بالتميمة وبينها علاقات تكافل للوصول إلى
المناورة الأخيرة التي تقوم بها هذه المرأة الأخيرة.
إذن الصراع
النفسي قائم في هذه الحالة، وأدى ذلك إلى وجود هذه الأشياء، انبثقت القدرة
على البقاء في واقع الشباب والنظارة والاستدعاء الدلالي أوجب تفسير هذه
العلاقة بليلة أخرى غير صائتة لتخرج نتيجة لسبب وجد سابقاً، والعامل الحفاز
الدلالي في النص هو الحب الفائض الذي تبرع فيه الشعراء، ودلالة التمييز
تقرب دلالة شطرية مختلفة معنوياً، الأول /ترطيب نهار رصاص مكعب، وفيها تحمل
دلالات شعرية بعدما تلبست الأيقنة النظارة والحيوية والتجسيد المحسوس،
والثاني/ ممازحة الملل وذر الأصدقاء عليه وتحمل دلالة ترحيل الفجر
والتسلية، فكيف تجمع الدلالتين؟ إذن التميمة بسبب إنعاش الجسد رغم الناتج
الدلالي وهو المناورة النفسية بين الضعف والقوة، إن الدال/ النص سبب
المدلول ولم يكن العنوان إلا العتبة الأولى للوصول إلى المدلول وهو إشارة
للمناورة النفسية.
وللمعجم
السيميائي في النصوص هيكلية مضمونية تتلاقح والمعنى الدلالي للمفردة وتفرش
بساط الجملة لتربطنا بدلالات سياقية توحد معها مفهوم الايجاز في قصيدة
النثر ولا شك في أن المعجم في حقيقته يكون علاقة لغوية لعصر تحتشد فيه
مكونات العالم ورؤاه المختلفة، لأن الانصياع الدلالي من خلال المعجم يشكل
دلالة غير معهودة في النص الشعري، وهو بذلك يفتح خلايا النص لاستقبال
هرمونات التفكك الدلالي، لأنها تستطيع حشر أو حشد كل ما جاء في مخيلة
الشاعر من فوضاوية عوالمية لتعطينا مرجعية النص الأساسي التي منها قامت
النواتج الدلالية في القصيدة ولو قرأنا نص "يا.." لرأينا هذه التجليات
بشفافيتها التي تعكس علاماتية الواقع العولمي في الحياة وفلسفة التقبل
للنقيض الرؤيوي والخروج المعجمي في القصيدة وثب ليكون لنا عتبة أساس في
بداية النص نقف عليها لتبين الطرح الدلالي الملئ بالمفاجأت الخروجية على
مستوى اللغة، فلم يعد العراء مقصوداً لذاته معجمياً بيد أنه انتقل إلى
علاماتية التجرد بمفهومه الواسع، وبهذا أوسع دلالته أكثر ولم يقتصر على
معنى المفرد، أما أسياخ المباهاة، المحارق الجاهزة جداً إذ جاء بمفردة
أسياخ- وهي ما نشوي بها اللحم، المحارق – مكان وجود النار وباقترانها
بمفردات أخرى، فأصبحت أسياخ مضافة إليها المباهات لتخج من دلالتها إلى
دلالة أخرى حب الظهور والتعالي الذي يصيب الذات، فأخذا اسياخ علامة
للاحتراق الداخلي للنفس وكمذلك المحارق تعطي دلالة الاِشتواء، كذلك أشجاري
وسلالاتي ....، من باب الانفتاح الدلالي استخدام لفظ أشجار، بمعنى غير ما
عرفناه، وهو الأصول الجذرية للنشوء ولا يقتصر على ذك في استخدم المعجم، بل
تعدى ذلك إلى استخدام معجم مصطلحات متعارف عليها دخلت من التلاقح الحضاري
بين الشرق والغرب، وهي غير معرفة عند العرب بهذه التسميات وهي تعكس
سيميائية الزمن والمكان والواقع في هذا العصر مثل /كلسونات مادونا
الزجاجية، دول ستريت، الكترون، الفاكسميل وبتزاوج المفردات بمفرادت لها
مداليلها النفسية عند الشاعر كما في، الرعدة القلق، الشاحب، الظل، اللامرئى،
خنجر، وهي تقف عند معانيها الدلالية حافظت هذه المفردات على دلالتها
الأولية في السياقات ولم تتعدى إلى مدلولات أخرى وبهذا التنافر والتقارب
المعجمي تظهر لنا سيمائية الفوضى الواقعية التي جمعت الأشياء المتباعدة
جداً، فكان للمعجم قدرته على تشكل دلالة الفوضى النصية التي صورت التعجب
كما هو مرئي، حالة الكتابة النص.
ويتبلور
الناتج الدلالي في بعض النصوص من الوميض الرؤيوي وكأنها فكرة لمعت ثم اختفت
ويسمونها الومضة الشعرية كما في نص "آدم":- يتسلق نسياناتها/ يمررها على
شفراته/ يلعق وعورتها/ يشبك في عروته عواءاتها/ وقبل أن ينام/ ينفض عن
أحذيته/ العلائق الرنانة.
للجملة
الفعلية قدرتها على تشابك العلاقات الدلالية كما هي في المقطع المختصر وهو
يجسد العلاقة بين العنوان والناتج الدلالي عبر أفعال مضارعة "يتسلق،
يمررها، يلعق، يشبك، ويبين قدره الفاعل في التوغل إلى أعماق الانثى، ونفض
العلائق الرنانة عن الأحذية تعددت الدلالة فيها ولم تقتصر على معنى واحد،
والأهم هم استخدام اللغة والمجاوزة، فلم تعد اللغة هنا تهتم بالمعنى
الأولي، بل تركت ذلك للمتلقي، وهو المعهود في هذا النمط من الشعر، وهو كسر
رتابة اللغة والعمل على إثراء الدلالة والدلالة المقصودة هي التخلي عنها
لحظات مؤقتة، واعتباطية الدال/ الشكل الشعري لم تجعل من صياغة الأفعال بنية
سردية في انتاج الدلالة لأن الاستبدالية هيمنت على الجملة غير المتوقعة.
أما في نص دون
جوان" شفرة تخفي خلفها القدرة على صيد النساء دون توقف يقول:- أبدأ/ يرج
الخيبة/ في طاساته/ لتفيض النساء/ محلولات الشعر/ في حفائر نعاسه.
تنتج الدلالة
هنا من استخدام البناء الصوري أي الاستعارة المكنية التي غلفت المقطع في
بنيتين فعليتين 1) يرج الخيبة في طاساته.
مستعار –
مستعار منه – مستعار له
الرجّ –
الشراب – الخيبة
ومن علاقة
المماهاة المتكونة جاءت الدلالة
2)
لتفيض النساء
مستعار –
مستعار منه – مستعار له
الفيض – الماء
– النساء
وهنا علاقة
مماهاة بين النساء والماء وجمع بين الخيبة والنساء في علاقة مماهاة بالماء
والفيض يأتي من الرج أي سبب فيه، وهاتان الجملتان شكل الدال الشعري ويستفيد
محمد حسين هيثم من عناصر الكتابة الشعرية لإنتاج الدلالة كما في نص "فوضى"
لأنه اعتمد الفوضى في الكتابة النصية وأصبحت عامل إنتاج الدلالة فيه، لكنه
أعتمد لإنتاجية المعنى تقنيات حديثة أو قل الاستفادة من الصورة المرئية في
الناتج الدلالي، وفي بؤرة محاطة بضوضائية اللحظة، ومن أجل اللقطات الصورية
الواقعية المختلفة نستطيع تجميعها لتربطنا بالمعنى الأدبي المتكون في هذه
الوحدة، هذه الوحدة هي القالب، وباستخدام أداة التشبيه كما خرج من العالم
الداخلي "القلب" إلى العالم الخارجي "كما في محطة مركزية". هذا المكان
يفترض لنفسه رسماً محدد المعالم، بدأت هذه المظاهر بامراءة تكسر ساعتها،
وتبكي وهي لقطة سينمائية بجانب هذه لقطات مشتتة.
1)حروب مقننة
2) آلهة من ورق 3) وقت رمادي 4) أسئلة في سلة تفاح.
وهذه دخلتها
المجاوزة اللغوية وأحالتها من صورة سينمائية إلى بيانية تداخلت الصور هنا
لتنتج لنا مشهداً فوضوياً صورياً، كذلك لقطة الباص والرجل يخرج من البحر،
إذن
أخذت الصورة
بنوعيها حظها في الناتج الدلالي وهو المشهد الفوضوي الصوري الذي ارتبط به
العنوان "فوضى".
ويستخدم هذه
التقنية كثيراً في نصوص مواكبة لحركة العصر والاستفادة من التقنيات الأكثر
شيوعاً بين العامة.
يقول في نص "رومانس"،
لماذا/ وهي تجلس أمامي/ في مقهي كازابلانكا/ في تمام العاشرة/ من صباح يوم
اثنين خريفي قادم/ حين تفرقع كوب الشاي/ ينزل المطر سرواله/ ويتقافز
مشتعلاً على الرصيف؟
ينشأ الناتج
الدلالي هنا من أسلوب الاستفهام إذ تبرعمت بداخله دلالة ارتبطت بسبية
السؤال والمعنى الأدبي للمقطع نتج من تقاطع بنية الصورة السينمائية
بموكوناتها الملموسة من خلال اللغة والذات الشاعرة توجه الكاميرا إلى
شخصيتين تجلسان في محطة كازابلانكا وهو "مكان، الزمن = الصباح، الوقت
الساعة العاشرة، اليوم اثنين الفصل = خريف، والتصريح الزمني يرينا العوامل
الصورية الذهنية في شاشة المخيلة، وأنت تتخيل وقت التقاط الصورة والفصل
والوقت لكن اليوم لا تستطيع معرفته إلا من عرض تقويم يحدد ذلك،
الحدث=الجلوس، ورفع كوب الشاي، هذه الصورة السينمائية أقترن بها التغير
الطقسي وكان سبب ذلك وجودهما معاً.
وهي الدلالة
المتشكلة من شرنقة البنية المنغمسة في السؤال لماذا ينزل المطر سرواله
ويتقافز مشتعلاً؟
كذلك في نص
"صيد النبيذ" تتجلى هذا التقنية بشكل طاغ إذ يبنى النص من سبعة مقاطع، كل
مقطع يمثل لقطة سينمائية وبترابط هذه اللقطات تعطينا "وصلة" سينمائية
متكاملة وهي ترصد حركة قوم إذ يقول:
كل صباح/ حلف
الريستورافت الفائق/ يسدون موسيقاهم/ على كفي المرأة الدمية/ فلا يخطئهم
كلبها الحصان/.
كل صباح/
يتعثر باص مدرسة/ بظلالهم السبئية/ فتندلق ضحكته/ على العصافير.
تأملات
في تجربة الشاعر محمد حسين هيثم
من خلال مجموعته ( استدراكات الحفلة )
أحمد
السلامي
تجبرك
التجربة الشعرية عند الشاعر محمد حسين هيثم على قراءة نصوصه وفقاً لشروط
قرائية متبدلة ، تتوازى مع التنوع والتجدد المستمر في تجربة الشاعر من كتاب
لآخر ، ومن نص لآخر داخل المجموعة الواحدة .
في مجموعته (
استدراكات الحفلة ) يجعل النص الحامل لعنوانها في نهاية الكتاب ، ورغم ذلك
تظل نصوص المجموعة في أغلبها راصدة لحفلات أخرى ، أو مواقف أو أماكن أو
شخصيات يحتفل بها هيثم بوعي شعري ، لا يعبأ كثيراً بالوضوح قدر اهتمامه
ببناء نصٍ مخاتل للمناسبة ، مجافٍ للموقف الذي كان سبباً في كتابته .
ويبدو الشاعر
وحيداً داخل قصيدته ، يكافح أو يتأمل سلوكاً جماعياً لقطيع ما ، هم الجنود
ربما ، كما في نص ( توم هانكس ) ، لكن القارئ لا يكاد يعرف من هم الذين
يؤرقون أصابع الشاعر في نص ( نوستاليجا ) :
يتركون
أحذيتهم النتنة قرب كبريائي
ثم
يجوسون حفاةً
بين أحلامي .
هل هم ضيوفٌ
عبروا بضجيجهم على سكينة الشاعر ، أم هم الأهل ، أم العشيرة ، أم الآخرون
كجحيم كما تقول ذات عبارة .
تنكتب القصيدة
عند هيثم برؤية قلقة وباحثة عن خلود ما يضمن استمرارية بقاء النص خارج لحظة
الكتابة ، وخارج لحظة القراءة المباشرة ،التي تبحث عن معنىً جاهز ، ولذلك
لا يجد القارئ في بعض النصوص ما كان يُطلق عليه ( بيت القصيد ) ، كما يصعب
عليه اجتزاء الصورة الشعرية وعزلها عن السياق الكلي للنص .
هناك جمل
نقدية مألوفة ، كالقول بأن الشاعر أو الكاتب يضع القارئ أمام تحدٍ لتفكيك
النص ، هذه الجملة تنطبق على هيثم بامتياز ، إلا في نصوص قليلة سهلة المنال
كنص ( تمويه ) :
إنها الأربعون
/ منذ البارحة
ومنذ /
البارحة
سأموهني
وسأردم /
الأربعين :
بطيش قليل ...
في محور داخل
هذه المجموعة بعنوان ( ملاذات كنعانية ) يبدو الشاعر في حالة استدراك شعري
لهوامش حفلة يتشظى احتشادها إلى قصائد نجدها ترصد بطرافة مواقف إنسانية لا
علاقة لها بمتن الحفلة أو بالحدث الذي جمع شخوصها .
انكتبت مجموعة
( استدراكات الحفلة ) داخل شكل قصيدة النثر ، بعد تجارب شعرية إيقاعية
سابقة أنجزها هيثم ، كانت تعرج على قصيدة النثر باقتدار يؤكد خصوصية الشاعر
الذي يحتفل بالصوت كثيراً أثناء الكتابة ، وأثناء الإلقاء
( هذه الرأس )
من النصوص الشهيرة لهيثم ، ودائما ما يحقق نجاحاً ملفتاً كلما كانت المنصة
سانحة لقراءته ، وهو نص نثري يحمل صوت الشاعر ومخاوفه على رأسه ، عبر سرد
احتمالات ضياعها ، مقابل الآمال المرجوة من بقائها ، ويحتشد النص بصور
ومفارقات تتقاطع مع نماذج قصيدة النثر التي تكتب اليوم ، وفي الوقت ذاته لا
تلغي شخصية الشاعر ، ولا تُوقِعه في التشابه مع غيره ، بحيث ظلّ صوته
حاضراً في النص :
وأرفع ياقتي
حتى
لا تسقط
مني
في
الزحام
بسبب صفعة
خاطئة
من شرطي
تأخر راتبه
الشهري
في نص (
دوزنة ) كما في نصوص أخرى عديدة ، يحتاج القارئ إلى إعادة قراءة النص أكثر
من مرة ، لتجاوز الانطباع الأولي الذي يوحي لك بأنك أمام اشتغال لغوي مجرد
.
من العسير على
الجمهور الذي اعتاد التوقع ، بل واستباق الشاعر بالتلفظ بالكلمة الأخيرة في
عجز البيت الشعري .. من العسير عليه تلقي مثل هذه النصوص المفارقة لوعي
التلقي التقليدي .
هنا نجد
الشاعر يرتقي باللغة داخل النص ليجعله مشرعاً على أكثر من نافذة لتأويله
وقراءته .
في نص ( أحد
الأيام ) نجد ما يشبه سيناريوهاً شخصياً لانتظار المجهول في المستقبل الذي
يتحول إلى مجرد يوم من الأيام :
أبتكر
المحطات
لأنتظر
أحد الأيام .
ثمة لهاث قلق
في النص ، وهناك أيضاً البعد الإيقاعي المدروس عبر توزيع الكلمات على
البياض وفق مساحات مقصودة ، بغرض إيصال الحالة الانفعالية التي أنكتب النص
في أجوائها :
هكذا
أغرف بالإبرة
الوقت من أوله
أخطط للتهيؤ
أناور
الروزنامات
أبذر الماء
للذي فجأة يجيء
وفجأة يرتخي
بين الملاذات
وفجأة يترك
حيرتي على الرف
وفجأة يغادر
دون أصابعي
وفجأة يهوي في
البئر
حيث سائر
الأيام .
من انتظار
المجهول إلى التعايش مع الحياة بشراستها التي يواجهها الشاعر بأناقة في نص
( فواتير ) :
وأُخرج قيافتي
من المرآة
أدعها تتمشى
قليلاً
وتتبجح
بأنني
أنيقاً
ومتأهباً
أنزل
كل صباح
لأسدد
كل فواتيري
وكل ديوني
للحياة .
عند قراءة
مجموعة ( استدراكات الحفلة ) لمحمد حسين هيثم ، لا يمكن القفز على نص (
عراء المكاربة ) الذي احتفلت به الصحافة الثقافية قبل أن ينشر في هذه
المجموعة ، وفي هذا النص يحشد الشاعر كل آليات الكتابة الشعرية التي تراكمت
في تجربته .. تلك التجربة التي ترتكز على مواربة الموضوع لصالح النص كجسد
قائم بذاته ، يلتهم مناسبة الكتابة ، بزمنها وموضوعها ، لإنتاج دلالة
مخاتلة ، تغيم في هذا المقطع لتشع وضوحاً في مقطع آخر من النص ، وينهض
الوضوح مثلما ينهض الغموض على استخدام الشاعر للرموز اللغوية والتاريخية ،
التي تتعدد دلالاتها فتزداد إيغالاً في الغموض ، في حين يصل كفاح القارئ
إلى مجرد احتمالات لفك شفرة النص ، عبر تخيل صور عديدة للمرموز إليه ،
ومحاولة إيجاد علاقة ما بين الرمز وبين الصور المقترحة للمرموز .
وبإزاء نص (
عراء المكاربة ) وما يماثله من النصوص الأخرى التي تواجه القارئ صعوبة
أولية في تلقيها بسبب ما يبدو وكأنه انغلاق في دلالة النص .. بإزاء ذلك نرى
أن التعامل النقدي مع مثل هذه النصوص لابد أن يعود إلى خصوصية هامة يتميز
بها هيثم وجيله الشعري ، من حيث ارتباط فضاء التجربة الشعرية منذ بدايتها
بظروف وأحداث سياسية ، كان لها انعكاس ملحوظ على تجربة هيثم وغيره من
الشعراء ، الذين استضافوا الرمز في قصائدهم كميزة أسلوبية تارةً ، وكميزة
اضطرارية تارةً أخرى .
غير أن هيثم
يحول استخدام الرمز والاشتغال على اللغة إلى أسلوب يستوطن قصيدة النثر التي
يكتبها ، رغم العراك الخفي بين ثلاثة أجيال شعرية عربية ، آخرها يختلف عن
هيثم بالحديث عن فك الارتباط بين قصيدة النثر وبين الترميز واستخدام المجاز
، وكل ما له علاقة بالجماليات اللغوية الشكلانية .
يمكننا أن
نستثني من نصوص هيثم نصوصاً عديدة من بينها نص ( هذه الرأس ) الذي يتفق
سياقاً وأسلوباً مع هذه الرؤية ، مما يجعل هيثم أكثر قرباً من اللحظة
الشعرية العربية الراهنة ، عبر مقدرته على اجتراح التجريب الشعري خارج
مسلمات تجربته الوفية لأسلوبها وظروف تشكلها .
|