إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة


الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

هيكل الاتحاد

 

 

جعفر الظَّفاري ريادة وتميز

عبدالباري طاهر

منذ مطلع السبعينات بدأت تظهر بحوث عميقة ومهمة في مجلة الثقافة الجديدة الصادرة عن وزارة الثقافة في عدن تحمل اسم جعفر الظفاري.

كان الاسم معروفاً ومشهوراً، فقد أعد رسالته للماجستير عن الحميني في لندن مطلع الستينات.

وكانت رسالته بالانجليزية بداية ريادة البحث العلمي الحقيقي عن الحميني، وقد لقي المبحث الأكاديمي والريادي التجاهل، إما بسبب جهل الباحثين بالانجليزية او لاعتبارات أخرى.

ولم تترجم الدراسة المهمة حتى اليوم باستثناء مبحثين نشرا في مجلة اليمن الصادرة عن مركز الدراسات والبحوث ((جامعة عدن)).

ويتسم بحثه بالدقة والعلمية والعمق، فهو يقسم الشعر في واقع اليمن إلى حكمي فصيح وحميني، وهو الشعر العربي الملحون المكتوب بأي لغة دارجة من لغة دارجة من لغات الحديث اليومي. ويشير أن أصحاب المعاجم المختلفة لم يشيروا إلى لفظة حميني بما في ذلك نشوان الحميري في معجمه  شمس العلوم، والصاغائي وابن دريد اللذان زارا اليمن ودرسا فيها. كما أن صاحب القاموس الذي عاش في زبيد هو الآخر لم يشر للمفردة التي كانت مرادفاً للمصطلح العربي الموشح)).

في الفصلين اللذين نشرا في مجلة اليمن وهي مجلة محكمة يرأس تحريرها الباحث الدكتور جعفر الظفاري وقف الباحث مطولاً إزاء المصطلح ((الحميني)) فقسم الشعر إلى حكمي وحميني. وتجلت العبقرية في دقة التقسيم. وفي صواب التعريف وهو الأَمر الذي سار عليه الباحثون من بعده دون الإشارة إليه للأسف الشديد ولفتني في تعريفه أنه في حين يعرفه بأنه: [الشعر العربي الملحون، المكتوب بأية لغة من لغات الحديث اليومي. يضيف [ لكن المصطلح ((حميني)) كان يدل في الماضي على نوع خاص من الشعر. وراح يتتبع بنوع من الموسوعية والاستقصاء ما وسعه الأَمر بادئاً بأَول رائد من رواده ابن فليته حسب إشارة الحزرجي.

والحقيقة أن الباحثين من بعده على كثرتهم لم يضيفوا إلا إضافات تؤكد صدق منهجه والوصول إلى ما يشبه التوكيد على المنطقة التي نشأ فيها الحميني. وتحديد المنطقة بالتحديد [الحمينية] في حيس.

وهناك اختلافات تتعلق بأقدمية الحميني حيث يمتد به البعض إلى ما قبل الاسلام. أحمد محمد الشامي، ومحمد بن علي الأكوع. وهناك اضافات مهمة تتعلق بلغة نوع معين من الحميني تغلب عليه اللهجة التهامية. كما أن هناك خلافات أيضا حول علاقته بالموشح الأندلسي، وأسبقية أي منهما؟.

قسم الباحث المختلفين من حول المصطلحين الموشح والحميني إلى ثلاث فئات. ودرس آراء ووجهات نظر كل فئة. وقد درس عميقاً تعريفات كل واحد من الفئات الثلاث مع نقد فني وموضوعي لتعريفاتهم ورؤاهم.

يصل الباحث إلى نتائج مدهشة. فالتزام الحميني بالفصيح الملحون قد نجم عن تعدد اللهجات اليمنية وتنوعها وتعددها. وتحولات من فترة لأخرى. وقد كان من ثمار التزام عربية المفردة إلى توحد الأغنية التي اثرت عميقا في توحيد الوجدان والتذوق.

ويرجع نسبة ((حكمي)) إلى حكم القبيلة الكهلانية شرق جيزان. بينما يتوقف ازاء "مصطلح "حميني" ومعه حق ولكن الباحثين المتأخرين توصلوا إلى نتائج تربط النسبة بالقرية المعروفة حمينية بالقرب من حيس والمنطقة كلها معروفة بالحمينية وإليها ينتسب أهم مؤسسي الشعر الحميني: ابن فليته، المزاج، العلوي. الأهدل. وقبل الجميع أبو بكر إبراهيم بن يوسف  الحكاك ويشير إلى التوافق بين لفظية الحميني ولفظة Hymn هيمن بالإنجليزية . ويلاحظ ومعه كل الحق أن التحوير غالباً ما يرافق النقل من لغة لأخرى .ويستطرد للربط بين اليونان والحضارة المعينية والحرف الفينيقي المحور عن خط المسند الحميري. وهي اجتهادات لها وجاهتها.

ويأتي على ذكر عصري التدوين والاحتجاج وقد حدد زمنيا به 150 عاماً ومكاناً بالقبائل التي أشار إليها. والواقع أن الولاء للعصبيات القبلية والانحياز للبداوة قد لعب دوراً حاسماً في  تدوين اللغة. وهو ما حرر اللغة العربية من روافد معينة خصوصا في المناطق الحضريه في اليمن والعراق والحجاز وبلاد الشام.

اما القسم الآخر فيتناول أهم شعراء الحميني. وبداية التأسيس الحقيقي لهذة التجربة الانسانية الرائعة بادئاً ككل الباحثين بالعلم الأشهر احمد بن فليته الحكمي. والإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر. وقد أشار الباحث عبد الجبار باجل إلى شاعر قبل الاثنين هو أبو بكر الحكاك من نفس منطقة حيس مما يعني الكثير.

وقد قام الأديب الشاعر والناشر والفقيد الكبير أحمد محمد الشامي بدراسة إضافية عن الحميني في كتابه من الأدب اليمني بعنوان الشعر الحميني أبرز فيه بجلاء قدم التجربة الممتدة إلى امرئ القيس ودلل بنماذج وأمثلة شتى وعديدة. وجزم أن الموشح الأندلسي يعود بجذوره إلى تجربة الحميني اليمني. ولم تعجزه الأمثلة الكثيرة أيضا. وعقد مقارنات عديدة بين نماذج متشابهة بين الموشح والحميني.

 

هجرة الصحابة

وهناك مبحث آخر لايقل أهمية وتفجير أسئلة مغايرة للسائد والمستقر والمألوف على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً تلكم هي هجرة الصحابة قبل هجرة الرسول إلى المدينة، وهل كانت إلى الحبشة أم إلى اليمن؟!

معروف أَن كل كتب التاريخ والحديث والتفسير والسير تتحدث عن رحلة إلى الحبشة. وهناك هجرتان معروفتان تتحدث عنهما كل المدونات الإسلامية. ولم يسبق أن قرأت على كثرة ما قرأت في هذا الباب من أشار إلى ما توصل إليه الدكتور جعفر الظفاري. وربما لم يخطر ببال الكثيرين من الدراسين والمؤرخين وشراح ومحققي السير أن ياتي مجتهد عربي إسلامي لينقض هذه المسلمة ((المجمع عليها)) باجتهاد فذ وشجاع. وقد عنون مبحثه بـ نشر عرف الخزامى بذكر هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة في تهامة بعد التوطئة يحدد الدكتور أرض الحبشة في تهامة وأرض حكم وعك والأشاعرة وبني عبد المجيد وقد استند الباحث في نقده لرواية الهجرة إلى أرض الحبش إلى قراءة المفردات :حبشة، سفينة، نجاشي الذي أوهم ولازال يوهم الكثيرين بأن الهجرة كانت إلى أكسوم ((قاعدة النجاشي وحاضرته".

يقرأ الباحث با أورد ،ابن سعد في الطبقات الكبرى عن قصة هجرة أصحاب رسول الله بعد البعثة. فقد أشار إليهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة بعد المكابدة والعناء الذي أصابهم من كفار قريش. والقصة تفاصيلها تغطي حيزاً لا بأس به في السير والتراجم والتاريخ والحديث وحتى الأدب:

ويقرأ المفردة: ح ب ش بدلالاتها وأبعادها المختلفة وإن فاته الإشارة لاستخدام المفردة بمعنى السحب الداكنة  "كقول الهذلي: [شرين بماء البحر ثم تنصبت على حبشيات لهن تجيج " ويأتي على ذكر الغزو الحبشي لليمن قبيل فجر الإسلام وبعده في حملات متكررة في حين لايشير إلى أن حضارة ودولة أكسوم هي الأخرى يمنية. وهناك عشرات الأدلة والشواهد في اللغة والآثار والرقم والنقوش والكتابات بالخط الحميري موجودة هناك – الأحباش بين مأرب وأكسوم ص 46 ويؤكد على اقتصار تجارة الحبشة مع اليمن وهو رأي صائب وربما أن الأمر كان في المراحل المتقدمة فهناك العديد من الدلائل تشير إلى وجود نوع من العلاقات التجارية قبيل البعثة في المدن الحجازية وبالأخص مكة. وهو ما يدرسه يعمق فكتور سحاب في كتابه القيم إيلاف قريش.

أما عدم معرفة أهل الحجاز بالبحر وغيابه عن شعرهم كما أشار أستاذنا فإن باحثاً مهماً هو يندلي صليبيا الحوزي قد اهتم بهذا الأمر كثيراً. ودلل عليه بشعر وآيات قرآنية.

وقراءة الظفاري عميقة أيضا ودقيقة وقد اعتمد الباحث على ابن سعد بصورة أساسية.

وقراءة الرواية من الناحية اللغوية: حبشة. نجاشي. سفينة.

والحقيقة أن مراجعة أستاذنا تثير الدهشة والإعجاب. فقد دلل بإقحام لفظ السفينة في سياق الهجرة الأولى بينما لا يرد ذكرها في الهجرة الثانية. ووقف عند المسافة والمدة الزمنية بين حديث الغرانيق كسبب لرجوع المهاجرين من أرض الحبشة محدداً زمن الهجرة برجب في حين كان الرجوع في شوال ونزول سورة النجم في رمضان فالمدة بين نزول سورة النجم ورجوع المهاجرين هو شهر واحد على أكثر تقدير. وهي مدة لاتكفي حينها للذهاب من مكة إلى اكسوم والعودة إلى مكة. ويناقش الأمر مناقشة موضوعية وعقلانية. مستشهداً بمسيرة أو رحلة الحيمي إلى الحبشة التي استغرقت قرابة ثلاثين يوماً. وقد قدرها الحيمي بمسيرة شهر.

ويرى وهو على حق أن أظهر ما حمله على القول بهجرة الصحابة إلى أرض عك والأَشاعرة يتصل بهجرة أبي موسى الأشعري، وإسلام [نجاشي الحبشة] اصمحة الذي كان يتكلم بلسان عربي مبين، فضلاً عن إرسال الرسول سرية إلى الشعيبة منطلق مهاجري أرض الحبشة للمرة الأولى لإخلاء الأحباش عن ذلك المرفأ وذلك في الشهر الرابع من العام التاسع الهجري 630م والواقع أن هناك حديثاً في البخاري في باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة يحكي قصة هجرة أبي بكر. تروي عائشة أنه لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً إلى أرض الحبشة "حتى وصل برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة.. فأجاره وأعاده إلى قومه وإذا ما عرفنا أن برك الغماد تبعد مسافة خمس ليال من مكة باتجاه اليمن قريباً من جيزان عرفنا أن الرحلة تعني اليمن حقاً.

ومع ذلك فليسمح لنا أستاذنا أن نعيد به ومعه القراءة فهو العالم ورجل السؤال المتعطش دوماً للمعرفة والحقيقة .

أولاً معروف أن تهامة ظلت تحت التأثير الاثيوبي حتى نهاية القرن الخامس بعد مجيء علي مهدي الرعيني الذي قضى على بقية النجاحيين أما  في عهد الصليحيين فقد ظل التنازع قائماً وقبل ذلك فإن تارخ اثيوبيا واليمن متداخل ومشترك حتى في الجانب الديني والمثيولوجي وفي اللغة والعادات والتقاليد. وقصة ملكة سبأ وأسماء القرى والوديان والمعالم تؤكد ذلك وقد أشار الباحث نفسه لذلك.

ما أريد قوله أن الفصل رغم حاجز البحر لم يكن مانعاً من تشارك وتلاقي ضفتي البحر الأحمر. وكان التأثير والتبادل والتلاقي الحضاري قائماً ففي فترة مثلاً كانت المدن التهامية أقرب لأثيوبيا منها لصنعاء مثلاً بينما كانت زيلع وعصب ومصوع ودهلك أقرب لليمن. فلم تكن الحدود القومية قائمة. ولايستبعد أن تكون الهجرة لمدن أو مناطق في تهامة محكومة أو منسوبة للحبشة بالقدر نفسه لايستبعد أن تكون الهجرة في الساحل الأرتيري القريب لتهامة اليمن والحجاز كدهلك ومصوع وعصب مثلاً.

ويشير صاحب كتاب المنهل في تاريخ وأخبار العفر – الدناكل – الشيخ كمال       الشامي وهو المؤلف القيم والمبحث المهم الذي استكمله ابنه الأستاذ هشام الشامي ان ضفتي الأحمر كانت تضم مستوطنات لكلا الجانبين. وهو ما يؤكد صدق ما ذهب إليه الباحث. فالتشابه قوي بين اليمن والعفر في الشاطئ الغربي وكبير كما يؤكد صاحب المنهل وينقل الشامي عن صاحب جواهر الحبشان "أن المسافة بين بلاد أحمد النجاشي وبلدة "مِعْدِ" على الساحل العفري أربعة أو خمسة أيام. وسكان هذه المسافة هم قبائل [طَلْطال] العربية. يضيف "أن المستفيض عن أهل هذه الجهة أن الطريق الذي سلكه الصحابة عند هجرتهم من مكة إلى هذه البلاد كان من هذه الجهة، وقبر النجاشي كما يؤكد المؤلف يقع في إقليم التجراي.

وتظل الاحتمالات كلها مفتوحة، إذ ليس من المستبعد أن تكون الهجرة إلى مناطق قريبة من سواحل تهامة. كما يذهب الباحث أو أنهم قد ذهبوا إلى جزر أو مناطق يقطنها اليمنيون في الطرف الأرتيري من الساحل. ومهما يكن فإن الباحث قد طرح أسئلة غير مطروقة. وأجاب عليها بإجابات غير مسبوقة حقاً.

ودراسته عن عقدة اللون الأسود ومسألة الوجود الفارسي في اليمن، بعد الإسلام تدلل على غزارة علمه وعمق ثقافته وسعة اطلاعه. مع شجاعة وذكاء في دراسة وتحليل وتفكيك وبناء القضايا التي يتناولها. والربط بين التمييز واللون الأسود والوجود الفارسي وبين الوجود الفارسي وحروب الردة شاهد ذكاء القراءة .

فهناك ربط بين الردة والوجود الفارسي وامتداد تأثير هذا الوجود. وتوقف على النظم الشعوبي [الدوامغ] وقراءة المعالم الأساسية في سيرة سيف بن ذي يزن منها ومعه حق في دمغها بالشعوبية الفارسية والعرقية العربية. وبتواضع العالم يتأدب بالقول إذا كان هناك استقصاء غير تام، أو اعتماد على استقراء غير ناقص فالرجاء إقامة الأود والدراسة التي يعود نشرها إلى مطلع العام 74م تمثل قراءة عميقة للحالة اليمنية قبيل فجر الإسلام. والصراع الاثيوبي الفارسي وسطوع فجر الإسلام.

وتحديد الكيان اليمني عبر قراءة صافية للجغرافيين الإسلاميين، والصراع اليهودي المسيحي، والتنافس وحملات الإبادة ضد بعضهما.

ويقف مطولاً إزاء الفرس وظاهرة الأبناء متابعا خط سيرها المتعرج والغامض على مدى زمني طويل. مشيرا إلى سيطرتهم على أهم المدن: صنعاء – عدن – وبعض مناطق الساحل في تهامة. وهو ما يؤكده ابن المجاور – والوافد من إيران مطلع القرن السابع. منقبا عن الآثار الفارسية مع مبالغة مكشوفة .

ويطرح الأسئلة الأكثر حرارة وأهمية كيف أسلم الأبناء؟ ولماذا؟

ويحفر عميقا في جذور هذه القضايا متتبعا المصادر والأمهات علها تكشف عن أسرار وخبايا ما حصل بالفعل. هل كتبوا رسالة للنبي كزعم الرازي؟

هل كتب إليهم الرسول كمنحهم صنعاء كقول ابن الربيع الذي أتى بعد.

والملاحظ أن بزوغ فجر الإسلام نفسه كان شاهداً بانهيار الامبراطوريتين:

فارس والروم. وأن تعاطف الإسلام مع الروم كان أجلى بسبب "التوحيد".

وأن الكيانات التابعة أيضا في اليمن وأثيوبيا ومصر وبلاد الشام كانت هي الأخرى تتفكك أيضا. كما أن الأبناء لم يعود تلك القوة بسبب انهيار المركز. وتفكك المخاليف اليمنية. وسيطرت الأذواء والأقيال على المخاليف وعلى مراكز القوة والنفوذ. ثم إن روح الدعوة الجديدة "التوحيدية" التي لها جذور عميقة في التربة اليمنية حتى قبل الديانات التوحيدية: اليهودية والنصرانية. والاستجابة الرائعة طواعية للدعوة قد مثلت عامل جذب شديد. وهو ما تجلى في توافد القبل والمخاليف اليمنية لتصل إلى أكثر من ثلاثين وفدا. وكلها تعطي البيعة للدعوة الجديدة ونبيها. وكان فروة بن مسيلك على رأس وفد صنعاء إلى جانب عمرو معد يكرب. وهناك أمر آخر وهو أن الأبناء كانوا قد أصبحوا جزءاً من التركيبة القائمة رغم تميزهم عن المجتمع .

وإشارة أستاذنا لأسباب الردة صائبة فهي موجهة في جانب مهم ضد الأبناء ولكن الثورة شملت اليمن كلها. وأغلبها لا يوجد بها أبناء وليست خاضعة لنفوذهم، كحضرموت وصعدة. ونجران ومختلف مناطق اليمن مما يعني أن هناك أسبابا أخرى. نتفق تمام الاتفاق مع أستاذنا في أن الردة لم تكن دينية وهو مايقول به صاحب الملل والنحل الشهر ستاني ويزكيه صاحب فتح الباري ابن حجر العسقلاني. فهذان العالمان يريان أن العرب انقسمت عقب وفاة الرسول إلى ثلاث فئات أو أربع فئات ارتدت عن الدين وهم بنو حنيفة وتميم وأهل اليمامة أما القسم الثاني فهم الذين امتنعوا عن دفع الزكاة أما الأغلبية العظمى فقد وقفت على الحياد. وقد فهم الخليفة حقيقة الأمر فرفع شعار [والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه على عهد رسول الله لقاتلتهم على ذلك].

أما اليمنيون فقد رفعوا شعار [أيها المتوردون علينا خذوا فضلات أموالنا من أغنيائنا فردوها على فقرائنا].

وكان الرسول يحث الجباة على عدم أخذ كرائم أموال الناس. ويذكر المؤرخون إن الجابي في حضرموت [زياد بن لبيد] أخذ ناقة لعدي بن حجر. وليس عليه صدقة. وكان ذلك سبباً في إشعال الثورة هناك، وهناك عوامل عديدة تضاف إلى الصراع مع الأبناء بعضها يرتبط بما جرى في سقيفة بني ساعدة. وتغلب عصبية قريش، وتجاهل دور الأنصار المرتبطين بالأوس والخزرج. وهناك بقايا نزوع للعودة أو استعادة مركز اليمن أيضاً. وهناك التنافس بين المخاليف والزعامات المختلفة وأشعار عمر معدي كرب الزبيدي شاهد الاضطراب الفاجع في التحالفات السريعة والمتغلبة مع وضد في آن واحد حتى داخل صف الثائرين أنفسهم. فقد ناصر قيس بن مكشوح المرادي المتمرد عبهلة بن كعب ثم انقلب عليه.

وعذيرك من خليك من مرادي شاهد الحال.

والسؤال الذي يطرحه المفكر هل شارك الأبناء في الفتوحات؟!

والتدليل بالإيجاب شاهد اندماج الأبناء في البيئة اليمنية ويذكر الحداد في تاريخ اليمن السياسي إن بعض الأبناء قد ارتبط بمصاهرة مع خولان حينها وهو ما حماهم في صنعاء وحواليها ويمكن قراءة امتزاج الأبناء باليمن أن بني سحيم وتحول اسمها إلى بني حشيش وحشيش هو القائد الفارسي بعد باذان وفيروز الديلمي وهناك قرى تحمل الأسماء الفارسية في بني حشيش "الفرس" زنجان والأبناء فقد يفسر إسلامهم. وامتزاجهم بالصراع الداخلي اليمني فقد توزعوا على خارطة الصراع اليمني. واليمني العربي الإسلامي ويدرك عميقاً مغزى التشيع العلوي. كما ارتكز البيت الأموي على العصبية العربية كعرق. ويعيد عدم امتزاج الأبناء إلى العنصرية التي شجعتها الأرستقراطية العربية الحاكمة. ومع صواب رؤية ومنهج الباحث إلا أن هناك عاملاً آخر أشار إليه ابن الأثير في الكامل [وهو أن اليمن قد ثارت ضد الأبناء. وعمدت إلى تهجيرهم لفارس بعد أن قسموهم إلى قسمين: من أعطى الولاء للثورة ولم يقم بأي عمل عدائي ضدها أقر على بقائه في البلاد. أما الآخرون فقسموا فرقتين: فرقة حملت بحرا من عدن، والفرقة الأخرى مرت بالغرب تحت حراسة شددت عليهم، ويشير في مبحثه القيم إلى الأدب الشعوبي الأبناوي. ويقرأه بتتبع ونجد امتداداً للنزعة الأبناوية في رحلة سيف ذي يزن وملحمة فيروز وفي تاريخ المستنصر لابن المجاور الفارسي. والحقيقة أن كتب فارس الشهنامة تكرس هذا المبحث وهي بحاجة إلى دراسة مستقلة. والربط بين التشيع والنزعة الأبناوية ليس عبثاً. والإشارة الذكية إلى محنة لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني وبداية الحفر في الجذور وظهور العصبية: العدنانية لها علاقة بالتحالف العدناني الأبناوي أما التنابز بالألقاب بين نشوان بن سعيد وأخيه أحمد بن سلمان فهو صراع عائلي يستنجد كل واحد منهما بعصبية الأب والأم لتبرير الطموح للحكم.

والموقف أو الخصومة للأحباش واللون الأسود أيضاَ ملتبسة وبحاجة إلى أكثر من دراسة وإعادة قراءة، لا أتفق مع أستاذنا أن قريشأً جاءت إلى الحكم وجاء الإسلام وقد ترسبت في مسالك نفسها – كراهية الأحباش النصارى الذين حاولوا قبل الغزو الفارسي لليمن أن ينتزعوا زعامتها الدينية، ويقوضوا مركزها الاقتصادي، فليس من المستغرب إذن أن يصور الوجود الحبشي الثاني في اليمن أقبح تصوير. ويلقي باللوم ومعه حق على متهودة اليمن من أمثال وهب ابن منبه وعبيد بن شرية في تضخيم دور اليمن، وربطه بماضي بني إسرائيل .

معروف أن عداوة الإسلام الحقيقية في البدء كانت موجهة ضد الوثنية. ووقفت إلى جانب الروم في مواجهة الفرس [آلم غلبت الروم في أقصى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون] الآية. ولتنبؤه بانتصار الروم علاقة بالمسيحية: الرومي الإثيوبي.

ثم أن العلاقة بين إثيوبيا وتهامة كلها بما في ذلك مدن الحجاز مكة والمدينة كانت دينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وكانت الحبشيات مفضلات في كبار الأسر القرشية خصوصاً آل عبد المطلب. وهو ما تؤكده السير.

ولافت أنه من أوائل من آمن بالدعوة غالبيتهم من الموالي وبالأخص الأحباش: بلال، وسمية، وعمار بن ياسر.

وكانت صحيفة المدينة ذروة هذا التحالف "التوحيدي" وجاءت غزوة الخندق ونكث بني النضير وبني قريضة لتعلن الحرب ضد اليهود، ولتعمق التآلف مع النصارى.

صحيح أن الإسلام كان ناسخاً لما سبقه من ديانات.

وبتحديد أكثر التوراة والإنجيل [العهدين: القديم والجديد]. و عملياً فإن الإسلام نفسه كان نذير انهيار الإمبراطوريتين وحلفائهما، وتطهير الجزيرة العربية من نفوذهما ولكن الميل كان واضحاً لصالح تحيد إثيوبيا والمواجهة أكثر مع الفرس، فقد أثنى الرسول على النجاشي وأوصى أصحابه بالهجرة إليه شاهداً أنه لا يظلم في ملكه أحداً. وصلى عليه وهو ما أشار إليه الباحث والعالم جعفر الظفاري.

إن الحديث عن المبالغة الإسرائيلية في التفسير قائمة.

و تداخل النفوذ الفارسي فيما بعد مع الأرستقراطية العربية واليمنية واقع حقيقي وتداخل التشيع مع الإرث الفارسي القديم جلي. وعصبية العباسية والعلويين واستنادها على مجد فارس معروف أيضاً. و قد امتد أثر ذلك عميقاً في المجتمع اليمني. خصوصاً في مناطق معينة حتى اليوم، ولكن هذا الغلو كان رداً على العصبية الأموية الحاكمة وجلوزتها.

 

اللون الأسود

أما الكراهة للون الأسود فإرث وبيل، ولكنه مرض بشري عرفته الكثير من المجتمعات البشرية. واليمن أو العرب ليست الاستثناء. ولكن ما يعيب العرب واليمنيين على وجه أخص أنهم أقرب للسمرة والسواد منهم إلى أي لون آخر. وقد يكون النزوع العنصري مرده إلى توارث الأفكار الآتية من الجوار في جانب معين. أو أيضاً بسبب الصراع كما هو حال اليمن. وقد ارتبط السواد أيضاً بالرق والعبودية. ونعرف ازدهار تجارة العبيد في مراحل مختلفة من التاريخ. وللمسألة أيضاً دخل في تنميط الذوق والعرقية الجمالية في الشعر العربي والنثر في فترات معينة. وحقيقة فإن [سيرة سيف بن ذي يزن] تعكس هذه العرقية والعنصرية المقيتة.

وقد استمرت هذه النظرة الازدرائية داخل المجتمع اليمني نفسه.

وكان نصيب المولدين فادحاً حتى اليوم. فقد ظل التلفزيون اليمني يعلن لوظيفة مراسل أو فراش على اشتراط [أن يكون من أبوين يمنيين]. وينال التمييز بقايا العبودية والأخدام بل مناطق شاسعة في تهامة والجنوب.

 


جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش