إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة


الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

هيكل الاتحاد

 

 

عبدالرحيم البرعي

الفقيه والصوفي الذي أخذه الشعر

عبدالرحمن حسن الأهدل

قديماً قيل عن الفيلسوف والفقيه والشاعر أبي العلاء المعري فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء.. ويمكننا القول هنا عن عبدالرحيم البرعي شاعر الفقهاء وفقيه الشعراء وهو بحق شاعر من طراز رفيع، نجد في ديوانه تقنية فنية عالية، وعمقاً معرفياً بالشعر، لغة ودلالة، وبناء يستجلب بتر كيبه ما يسمى اليوم (الشعرية) التي تتولد عن المعمار الفني في تركيب المفردات والجمل، وقد وصفه المترجمون له بأنه (شاعر مغلق)، ولم يكن من النظاميين الذين يستخدمون معرفتهم باللغة في رصف الكلمات، وهم ليسوا من الموهوبين، بعكس البرعي الذي كان موهوباً ويعي البعد الفني والروحي للشعر، غير أنه اختلف عن سابقيه ومعاصريه في الأغراض الشعرية، فلم يكن هجاءً مسفاً ولم يمدح صاحب سلطان ولم يكتسب من شعره رغم فقره.

وفي هذه التناولة سوف تكون قراءتي لعبد الرحيم البرعي قراءة يمكن وصفها بالحداثية، وهي أقرب إلى المفهوم البنيوي، ولن تكون تاريخية أو تكون ترجمة لسيرة ذاتية، إنها قراءة آتية من جزئية في النصوص هي جزئية الغزل والرؤية للحب والتعامل معه باعتباره عاطفة إنسانية طبيعية تحدث بين البشر، وما تحمله تلك الطبيعية من دلالات روحية وجمالية –لغة وموضوعاً- ثم ما وراء تلك الدلالات التي هي حق لكل قارئ أن يقرأها كما تتراءى له، مع تحوط الأخذ بالقرائن القرائية في النص نفسه، حتى لا يكون هناك اعتساف يلوي عنق النصوص ليخرجها من سياقها ويمنحها دلالات ليس في النصوص ما يشير إليها ولو عن بعد، فالقراءة المنهجية هي تلك التي تستجلي الدلالات من النصوص ولا تركب عليها من خارجها بلا أدنى مسوغ.

ولكي نستكشف متكآت المخزون للإبداع الشعري عند البرعي يصبح من اللازم استطلاع جوارات ذلك الإبداع، "عصر المبدع وثقافته، السياق الذهني والفكري والنفسي و المنهجي" إن وجد –وغير ذلك مما سيعطينا مفاتيح للدخول في عالم النصوص ودلالاتها، وما وراءها إن أمكن، ليس بغرض الوقوف على قصيدة الشاعر فحسب ولكن بغرض الاقتراب من السياق الزماني والمكاني الرؤيوي الذي ولد فيه ذلك الإبداع حتى تكون متخيلات الصور الشعرية قادرة على رسم معالم زمن نشوء النص والآفاق التي يرتادها في ذلك الحين، والتي يمكن أن يستمر في ارتيادها إذ أن عظمة الإبداع في قدرته على استمرار عطائه وعصيانه على طاحونة الزمن وخروجه عن طاعتها، وهذا هو إكسير خلود الإبداع.

 

المجاورات:

قال عن البرعي محقق ديوانه الأستاذ عبدالعزيز سلطان المنصوب: إنه علم يمني سطع في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، وانتشر وهجه ليشمل أركان العالم الإسلامي من زمنه وحتى اليوم وإلى ما شاء الله(1)..

وقد قال عنه صاحب كتاب (نشر الثناء الحسن) حسب المحقق صفحة (20): (ومن جبل برع العلامة الشهير والشاعر البليغ عبدالرحيم بن أحمد بن عبدالرحيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل بن مسلم بن قيس بن الحارث البرعي، المهاجري، نسبة إلى مهاجر قبيلة من برع)، وقال عنه أيضاً البريهي في (طبقات صلحاء اليمن): "ومن أهل برع الفقيه العالم الفاضل عفيف الدين عبدالرحيم بن علي المهاجري، الذي قرأ الفقه والنحو على جماعة من أئمة وقته، فلما تأهل للتدريس والفتوى أتته الطلبة من أماكن شتى، فدرَّس وأفتى واشتهر بالعلم والعمل، وكان أحد العلماء الأحبار، وبقية الفضلاء الأخيار، سبق العلماء المجيدين، والشعراء الموجودين".

لقد كان البرعي صاحب باع طويل في اللغة العربية وآدابها، فإلى جانب ما قاله المترجمون فإن ديوانه يؤكد ذلك، إذ لا يوجد فيه خطأ لغوي واحد، ومع علمه وفقهه لم يعثر له على حد علمنا على أي كتاب في أي من الفنون التي كان يجيدها (فقهاً ولغة وتصوفاً) ويبدو أنه اكتفى بما قدم في ديوانه الذي ظهر من خلاله أنه فقيه ولغوي وصوفي من درجة رفيعة، ومن شعره نستشف معرفته باللغة إذ يقول:

"كلام بلا نحو طعام بلا ملح

ونحو بلا شعر ظلام بلا صبح

ومن يتجر علماً ويلغيهما يعد

بلا رأس مال في الكلام ولا ربح

إذا شرحوا فضل الكلام فإنني

غني بفضل النحو عن ذلك الشرح(2)

وكقوله:

"وساجعة تبكي فأبكي وإنها

لتعجم شكواها وأشكو فأعرب"(3)

وكقوله أيضاً:

واعل مقامي وانصب اسمي

لتصرف كل اسم يحق له الصرف"

كما وأنه ضمن بعض شعره بعض القواعد الفقهية مما يدل بذلك على ما لديه من إدراك للعلوم الفقهية، فهاهو يقول في إحدى قصائده:

"وعلم أهل الرشد ذكراً مباركاً

حوى الزجر والأحكام والفرض والندبا"(4)

وقد أتى في هذا البيت على ما لخصه علماء الفقه الإسلامي عن أحكام الشرع بقولهم أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أمر الله بشيء، وهذا الأمر نوعان:

أمر يفهم منه الجزم، وتترتب على تركه عقوبة، وهذا يسمى واجباً.

أمرٌ يفهم منه الثواب على فعله ولا تترتب عقوبة على الترك، وهذا يسمى مندوباً.

القسم الثاني: نهي الله عن شيء، وهذا النهي نوعان:

النهي الذي يفهم منه الجزم، وتترتب على فعله عقوبة، وهذا يسمى حراماً.

النهي الذي يفهم منه الحث على الترك، ولا تترتب على فعله عقوبة، وهذا يسمى مكروهاً "وبعضهم جعل المكروه قسمين: كراهية تحريم، وكراهية تنزيه، وهذا فيه بعض التشدد".

القسم الثالث : وهو المباح، وهو أصل في جميع الأشياء ما لم يرد فيها نص، واشترط البعض أن يكون النص قطعي الثبوت والدلالة، ومعلوم أن الأصل في الأشياء الإباحة.

لذلك نجد البيت الذي سبق يعطي إشارة على إدراك شاعرنا –البرعي- ومعرفته بالفقه الإسلامي وبفن الأصول.

وفي شعره تعرض لمشايخه المدح سواء في درس الفقه واللغة أو في درس التصوف، وطرائقه وسلم الترقي فيه، كما أن دقة وسلامة الأوزان الشعرية توجب بإدراكه بعلم العروض، فلم نجد أي زحاف في أبنية أوزان القصائد، وقد ألمح إلى ذلك محقق الديوان في الصفحة 43 عندما قال: إنه استبعد بعض القصائد المنسوبة إلى البرعي في بعض المخطوطات، لركاكتها البادية ولكثر الزحافات والأخطاء النحوية مما عزز الاعتقاد بأنها دخيلة على الديوان.

 

البرعي الشاعر الرومانسي العاشق:

عبد الرحيم البرعي عاشق بكل ما تعنيه مفاهيم العشق، فقد كانت تغمره روح الشاعر الذي يتعامل مع الحياة بلا توجس، وقد كان في عشقه صافي السريرة، عذري الحب، ولم يكن مستهتراً (بالمعنى القاموسي للاستهتار المتعارف عليه، وليس بالمعنى الصوفي) المبني للمجهول، الذي يجعل من الاستهتار صفة محمودة، وكذلك الابتذال، المهم أن البرعي عاشق وهو من العشاق النبلاء في عشقهم الذين لا يقدمون على الأفعال المشينة، فهم يعشقون حتى الثمالة، ويفهمون أن الحب كحالة إنسانية ووجدانية طبيعية، ويعبرون عنه بما تمليه عليهم عواطفهم المحبوكة بالقيم والكرامة والمجبولة على السمو الأخلاقي الذي لا يسف بهذه العاطفة، ولا ينتهك بها عرضاً، والبرعي عاشق من هذا الطراز، مع ما اتصف به من صفات العلم والتقى، فهو إنسان ليس غريباً عليه أن يحب ويعشق، ومن هذا المنطلق ننظر إلى تغزله دون أن نستغرق في محاولات تبرير اشتعال عواطفه وإخراجها من سياقها الإنساني الطبيعي، فتلك المحاولات لا تعدو أن تكون انسياقاً وراء منظورات متخلفة عن الحب ترى فيه ما يشبه المعصية، أو هو الطريق المؤدي إلى المعاصي، وهذا المنظور موجود بقوة في الموروثات الاجتماعية القامعة التي تراكمت في النفسية والذهنية والوجدان العربي، فالحب حسب تلك الموروثات معصية أو يقترب منها، مالم يكن في الله على حد ذلك الزعم السلبي –الذي يقال ولا يعمل به في واقع الحياة- وهو من التصورات الصحراوية الجلفة الجافة التي لا تتسق وسنة الله في الخلق- فهو الذي زود البشر بتلك العواطف والمشاعر التي بدونها لا يكون الإنسان بالمعنى الحقيقي للإنسان، المهم أن تلك العواطف لا تنصرف من مجال إسعاد الإنسان إلى مجال الإضرار به في كرامته وحقوقه الإنسانية ويقهر في مشاعره من قبل أناس جعلوا من أنفسهم أوصياء على مشاعر البشر تحت غطاء الدين، والحفاظ على الأخلاق، فالله لم يعط أحداً من البشر صكاً يعطيه الحق في متابعة مشاعر الناس والتحكم بها، ولذلك نقول: الحب هو الحب، ولكلٍ قراءته الخاصة عندما يصوغ ذلك في عمل فني إبداعي.

وهنا أجدني على عدم توافق مع الأستاذين الدكتور جواد المرابط، والأستاذ عبدالعزيز سلطان، إذ يقول الأول عن غزل البرعي: (بأن تلك النصوص كانت في مرحلة الشباب، إذ أن في تصوره أن ذلك الغزل لا يليق بذلك العالم التقي وأنها نقص في حقه، وهذا منظور قاصر جداً للحب والغزل والنظر إليه وفهمه بما يقترب من الأفعال غير اللائقة، وهذا التصور يأتي ضمن نسق الموروث السلبي عن الحب.. وإلا لماذا لا يكون ذلك الغزل قد قيل والشيخ على تلك الدرجة من العلم والتقى؟! ولم يوافق الثاني –أعني عبدالعزيز مع تفسير الأول- د. جواد وتبريره لذلك الغزل بأنه في مرحلة الشباب، ومع عدم موافقته إلا أنه وقع في نفس المحذور، إذ فسر ذلك الغزل بأنه على مدى مساحة عمر البرعي، لكنه غزل صوفي ليست مقاصده هي تلك المقاصد المعروفة عن الغزل عند الناس، حيث قال: "ولقد وقع أديب مثل الأستاذ جواد المرابط في ورطة نقدية كبيرة، حيث استوقفته بعض أبيات الغزل الرائع عند البرعي في القصائد رقم (19،47، 66،67)فلم ير بداً من اجتزائها من مواقعها على قاعدة "ولا تقربوا الصلاة" إلى فترة شباب البرعي الذي لا بد –بنظره- أنه قد عاشها كغيره من عشاق الرغبة والهوى البشريين.. وهي قضية لم ينج منها شاعر صوفي قط لاعتقاد المحللين من غير الصوفية أن الغرام لا بد أن يكون موضوعه هو ما عرفوه مجسماً ومرئياً للبصر، ولم يدركوا أن القوم قد كشفت لهم المكنونات فأصبحت بحقهم مرئية ومنظورة، وصار بإمكانهم التواجد والهيام والتغزل بها".

أحب أن أضع خطين تحت كلمة البشريين في هذا الاستشهاد أولاً، وخطين على المعنى العام الذي منح الصوفية صفات تكاد تكون إلهية بالكشوفات عن المكنونات وغير ذلك، وبرغم المسحة الهلامية التي برر بها –سلطان- الغزل عند البرعي إلا أنها لا تعدو أن تكون تخريجاً يصب في الموقف السلبي من الحب بمعناه الإنساني، إذ أعطى له سياقاً آخر استجابة للمنظور السلبي عن الحب المخزون في الذهن حسب الموروث الاجتماعي الذي يرى أنه ليس من اللياقة أن يحب الشيخ البرعي ويعشق كما يفعل الآخرون، وبذلك أخرج المنصوب الحب لدى البرعي من حالته الإنسانية المتعارف عليها إلى الهلاميات والمقدسات، ظناً منه أنه يقدم البرعي بالصورة اللائقة به، وهذا في حقيقته مصادرة لغريزة إنسانية أودعها الله في خلقه واعتساف بحق العواطف الإنسانية التي هي زاد روحي، وسمة من أهم السمات الإنسانية، ولذلك أعتقد أن كلا التفسيرين –عند جواد و سلطان- غير دقيق، خاصة إذا اعتقد كل منهما أن تفسيره هو الصحيح وما عداه غير صحيح، لكن إذا اعتبر كل منهما أن تلك قراءته فهذا حقه.

فالحب عاطفة إنسانية بكل دلالاتها، وعند البرعي لا تخرج عن ذلك فلقد أحب وعشق حتى الثمالة وانغمس في عواطفه حتى شحمتي أذنيه، ولكل واحد الحق في أن يقرأه كما يشاء، وليس لأحد أن يحجر عليه في ذلك الحق، مع الاعتبار (وهذا ليس شرطاً) أن تكون القراءة مستجلية لما يشي به النص وفيه من القرائن ما يخدم دلالات القراءة.

"إن كنت لم تذق الغرام فإنني

ثملٌ بكأس للغرام دهاق

ما كنت أعرف ما الصبابة والبكا

لولا فراق خريدة معناق

ودعتها والدمع يقطر بيننا

وكذاك كل مودع مشتاق

شغلت بتنشيف الدموع يمينها

وشمالها مشغولة بعناق

لو أن مالك عالم بجوى الهوى

ومحله من أكبد العشاق

ما عذب العشاق إلا بالهوى

ولو استغاثوا غاثهم بفراق"(5)

لا يمكن لأحد أن يجبرني على قراءة هذا النص أو هذه المقطوعة قراءة تبعدها عن سياق الغزل الإنساني، حتى لو جاء بعدها في النص مخاطب آخر أو غرض آخر، فقد عرف الشعر العربي عموماً وبعد الإسلام خصوصاً أن تفتتح القصائد بالبكاء على الأطلال ثم الدخول في الموضوع، ثم نجدهم يعرجون بالصلاة على النبي وآله، وهذا شيء مألوف في الشعر العربي، فالتعامل مع النص كبنية واحدة ينطبق على قصائد التفعيلة وقصيدة النثر، وأيضاً ليس في كل الحالات، وأما القصائد العمودية غير الحديثة فليست معنية بمصطلح وحدة البنية، بل أحياناً يتغير الغرض والدلالة من بيت إلى بيت في القصيدة الواحدة، ولذلك لا ضير في قراءتنا للغزل عند البرعي كأي غزل جميل في الشعر العربي لما يولده فينا من إحساس بالنشوة وبما يشيعه من متعة ولذة، بعيداً حتى عن غرض الشاعر، وما قصد إليه من دلالة "حسب الدراسات النقدية الحديثة (التفكيك)"، وعلى هذا لا يمكن حصر شعر البرعي بغزله وتوسلاته في دلالة واحدة، ولو حدث ذلك فسيفقد إبداعيته، وسيحاصر خصوبته وغناه المستمدة من تعدد الدلالات والقراءات.

فها هو في مفتتح النص الآتي الذي تغنى به منشدو وعشاق الشعر يتدفق عاطفة وحسن سبك وجمال:

خطرت كغصن البانة المتأود

ورنت بناظرة الغزال الأغيد

وغدت تشير إلى السلام بطرفها

وبكفها المخضوب خوف الحسد

فنظرت معسول اللمى فوق القنا

والليل تحت نقاب شمس الأسعد

فكأن حالية المحاسن صوغت

من فضة عجنت بماء العسجد

أو درة مكنونة معجونة

بهوى النفوس الذائبات الأكبد

سلبت ببهجتها العقول وتيمت

مهجاً يروح بها الغرام ويغتدي

جاذبتها طرف العتاب فأعرضت

عني وقالت ما أراك بمسعدي

فطفقت أثني عطفها متغزلاً

بالأبرقين وبالعذيب وثهمد

فتذكرت وتبسمت وتنهدت

فعجبت من متبسم متنهد

وطمعت منها بالحديث وقلت: هل

من شربة يا أهل هذا المورد

ما الماء من طلبي ولكن ربما

مدَّت به فتنال من يدها يدي

فأتت به من حينها وكأنها

شمس تمد بكوكب متوقد

فسرقت من حسن المليحة لمحة

قطعت عرى كبدي بغير مهند" (6)

إنها مقطوعة غزلية من طراز رفيع، توحي بما وراءها من مشاعر إنسانية نضرة وجمال روحي وعاطفة دافقة إزاء الآخر، وهي الأنثى تحديداً، يصف جمالها وما يحدثه ذلك الجمال في المحب والمشاهد على السواء، وهو يسير في هذا على منهج شعراء العربية في الغزل، وما يميزه هو ما يميز الشعراء المجيدين من جمال البنيان الفني، واختيار المفردات الأكثر قدرة على التعبير عما يجيش في النفس وأجمل سبكاً لتلك المفردات في عقد الشعر بفنية عالية، ثم عن أثر ذلك على المتلقي ومشاعره، وهذا ليس معيباً ولا يستدعي أن يقال بأنه كان في مرحلة الشباب، أو أن يقال بأن مقاصده غير مقاصد البشر، ومختلفة عما يفهم منه بشكل مباشر.. والقارئ الذي يقرأ هذا الشعر وليس له موقف مسبق يدفعه لاعتساف الدلالة سوف يقول أنه غزل إنساني لا يختلف عن غزل المتنبي أو عن غزل عمر بن أبي ربيعة، أو ابن هتيمل أو غيرهم من معاصري البرعي وسابقيه، وسوف يقول الناقد الحديث: "إنه غزل يصدر عن روح عاشقة، وليقرأه كل واحد كما يشاء".

 

مأزق عبدالرحيم البرعي:

يلمس من شعر البرعي في تعاطيه مع الحياة والمجتمع أنه يتحلى بروح الشاعر وعفويته وبساطته وتسامحه، وهذه الخصال تبدو في ظاهرها أنها لا تتوافق مع ما يجب أن يكون عليه من وقار الفقيه والعالم، أو القطب الصوفي أو غيرهم من حاملي المعرفة –حسب تصورات الناس عن تلك الشخصيات- لذلك خيب البرعي ظن ذلك التصور عند التقليديين من الفقهاء والصوفية، فرأوا فيه خروجاً عما يجب أن يكون عليه العارفون أمثاله، فعزفوا عن الاهتمام به في الترجمات واعتباره أحد أعيان عصره باستثناء البريهي في كتابه (طبقات صلحاء اليمن) والوشلي في كتابه (نشر الثناء الحسن) وإن كان بإيجاز ثم في الأخير رسالة ماجستير عنه للأستاذ الدكتور محمد صالح الريمي –جامعة تعز- وهذه الرسالة للأستاذ ندر وجودها في المكتبات أو التداول، كما يبدو أيضاً أن البرعي لم يترك أثراً فقهياً أو لغوياً مكتوباً، مما أثر سلباً على الاهتمام به واعتباره ضمن علماء عصره، والديوان الشعري هو الأثر الذي تركه، فلم يكن كافياً في نظر التقليديين للحديث عنه، خاصةً إذا علمنا الموقف السلبي لرجال الدين الإسلامي من الشعر مهما كانت أغراضه –ما لم تكن ذات غرض ديني- والملفت أن الذين ترجموا له على قلتهم كانوا يصفونه بالشاعر المغلق.

ونفس المأزق وقع فيه مع الفرق الصوفية، فهو لم يكن صوفياً درويشاً أو مشعوذاً من الذين جعلوا الخرافة زادهم ووسيلتهم إلى الناس، ولم يكن صوفياً فلسفياً من الذين طرحوا سؤال الوجود والكون، وراحوا يجيبون عن ذلك السؤال بطريقتهم، إجابات تتصادم أحياناً مع ظاهر النصوص الدينية.. فصاروا مثار جدل لم ينته حتى اليوم.

مع العلم أنهم شكلوا منهلاً رئيساً في إثراء الثقافة الإسلامية، غير أن معظمه طمر لضيق سلطان الحكم العربي به من ناحية، وسلطان التقليد والجمود من ناحية ثانية، ويحسب لأصحاب التصوف الفلسفي ما أوجدوه في التراث الإسلامي من اجتهادات كانت من حيث الرؤية والمنهج معادلاً لا يقل أهمية عن التراث السني والشيعي في الفكر العربي الإسلامي، كما أنه –أي البرعي- لم يكن صوفياً سنياً مقاوماً كما كان عليه في اليمن الشيخ أحمد بن علوان، وفي العصر الحديث الشيخ عبدالله الحكيمي، لكنه –أي البرعي- كان صوفياً نقياً تغلبت عليه روح الشاعر الشفافة، وتسامح الشعراء الذين أحبوا الإنسان والكون، ولم يعيروا كبير اهتمام لخلافات الناس على الجاه والسيطرة، لذلك فالبرعي أعطى لنفسه المحبة القيادة لتسير به إلى أين ما يشاء الله، وصار وبدون تكلف يصب عواطفه في النصوص الشعرية كعاشق حقيقي لا يرى بأساً في التعبير عن مشاعره اعتقاداً منه بأن ذلك لا يتعارض مع الدين والقيم، فها هو يقول:

"سحارة الطرف ترمي من لواحظها

حب القلوب بإحياء وإهلاك

خذي بحقك من عينيك لي خفراً

حتفي وعافيتي عيناك عيناك

وساعديني على التقبيل مغتنماً

فما ألذك تقبيلاً وأحلاك

فكم وديعة شوق لي إليك مضت

قد كنت يوم النوى أودعتها فاك" (7).

وكما يقول أيضاً في نص آخر:

"أصبح في لمس شفتيه خمراً

كأن مزاجها عسل وماء

سقيم اللحظ أورثني سقاماً

وفي شفتيه للسقم الشفاء

دعاني للوداع فذبت وجداً

فهل بعد الوداع لنا التقاء؟

إذا رحل الحبيب فما حياتي

وموتي بعده إلاّ سواء

جعلت فداك ما العشاق إلا

مساكين قلوبهم هواء" (8).

وفي القصيدة رقم (48) في الديوان يقول:

"والأثيلات المطلات بها

أيها الأثل سقيتن الغماما

كم بدور في خدور المنحنى

يستعير البدر منهن التماما

حبهم حل سويدا مهجتي

وفؤادي بعدما فتّ العظاما

أيها اللائم أذني لا تعي

زخرف القول فدع عنك الملاما

أولع الحب بلحمي ودمي

فعلام اللوم في الحب علاما" (9).

واستمر مأزق البرعي قائماً مع من يمكن تسميتهم بمثقفي عصره، والمهتمين بالفكر والأدب فيمن أتى بعد ذلك، وأخرجوه من الدوائر الثلاث: "دائرة الفقهاء والعلماء، ودائرة شيوخ الصوفية، ودائرة الشعراء الفحول)، مع أنه كان أهلاً لخصال الثلاث الدوائر، ولم تستغرقه كثيراً إلا دائرة الشعر التي كانت الوعاء الذي صب فيه معارفه، وضمنه خصائص تلك الدوائر، فلذلك قل اهتمام أنصار ومريدي ومترجمي دائرتي العلم والتصوف، وفي الفترة الأخيرة بدأ اهتمام الصوفية الحديثة به، وكان الشعر خطيئته التي لا تغتفر لدى التقليديين، مع أنه –أي الشعر- من حفظ لنا –البرعي- شاعراً وفقيهاً وصوفياً، وبدونه كان سيندثر ولن يعرف ويشتهر كما هو حاصل اليوم من خلال ترديد شعره والمديح به، إذ وجد فيه المؤمنون بغيتهم من الأدعية والتوسلات، ووجد فيه العشاق المحبون بغيتهم في الغزل والتعبير عما يختلج في نفوسهم.

لقد ظهرت لي من خلال متابعة ما تيسر عن حياته ومن خلال تأمل شعره وتحليله أنه شخصية خصبة لدراسات متنوعة سوف تثري حياتنا الوجدانية التي نلحظ في هذه الأيام أن زحف رمال الصحراء الفكرية الجامدة تسطو عليها بفقه التعصب والجمود من جهة وبتقنية (الفيديو كليب الممسوخة) من جهة ثانية، لذلك يصبح من الأهمية بمكان درس عبدالرحيم البرعي وأمثاله باعتبارهم كنوزاً روحية وفكرية هامة في الثقافة العربية، ثم استنطاق تراثها واستجلاء مخزون قيمها الروحية وما تنطوي عليه من ثراء للروح والوجدان ومادة جليلة نقدم بها أنفسنا للمشهد الثقافي الإنساني كأحسن ما يكون التقديم، ولن نقع في حبائل –روبي وهيفاء وهبي- وما يتناسل منهما، ولا في حبائل من يقتل الأطفال والشيوخ بذريعة الجهاد الذي لم يفرض إلا لـ(رفع الإكراه اتفاقاً) ولن نقع في حبائل –مادونا وجاكسون وجينفر لوبيز- ولا في حبائل (هنتيجتون ومتعصبي الغرب الذين يلصقون تهمة الإرهاب بالدين الإسلامي).

إن العودة إلى المشرق والمستنير في تراثنا العربي الإسلامي وهو طوق النجاة لأمتنا من طوفان قوى الشر المحلية والعالمية –الاستبداد والاستعمار- الطغاة والغلاة- وهذه دعوة لكل الحريصين على الأمة للمبادرة بالفعل الإيجابي قبل أن يفوت الأوان ويزداد العجز ونسقط من آخر عربة في قطار الحياة ونتحول إلى مومياء في متحف التاريخ الإنساني.

 

عوداً إلى البرعي الشاعر:

إن تقنية الجمال الشعري لدن عبدالرحيم البرعي سوف تأسر المتلقي وتزيد من أسره موضوعاً وسوف نعرج به إلى سماوات الصفاء والوجد حتى ليشعرن بأنه غادر الزمان والمكان الماديين المحسوسين الذين يعيش فيهما إلى عالم من الجمال الممتع والفرح المغدق غير المتوفر على كوكبنا، إضافة إلى ما سيلمس من الصور الشعرية التي تكاد تتجسد أمام العين كحياة ناطقة بحيث يصبح كل ذلك زاداً ومادة للتشكيليين في بلادنا سوف تخلد لوحاتهم إلى ما شاء الله، ومعلوم أن مثل هذه المرحلة من التشكيل مر بها رسامو أوروبا في القرن الثامن عشر وما قبل وما بعد بقليل وأصبحت لوحاتهم تزين مداخل العمارات الفخمة والقصور الملكية والفنادق الراقية، وبعض الصور الشعرية لدى البرعي لا تقل جمالاً عن تلك المنحوتات الأوروبية، فها هو يقول:

"ضربوا الخيام على الكثيب الأخضر

ما بين روضة حاجر ومحجري

وتفيأوا في الأثل ظلاً وارتووا

من مائه المتسجم المتفجر

واخضرَّ فردوس الخمائل إذ غدا

وسرى عليه حيا العريض الممطر

فكأن لؤلؤ طله زاد الضحى

درر متى تسري النسائم تنثر"(10).

هذه لوحة رائعة استمدت مفرداتها من جمال الطبيعة ولو زادت عليها لمسات الفن التشكيلي بجمال خياله ورؤاه وأبعاده فسوف تكون من اللوحات الخالدة.

هذا جزء من جمال المبدع "عبدالرحيم البرعي" الفقيه والصوفي الذي أخذه الشعر ويمكن القول "الشاعر الذي أخذه الفقه والتصوف".

 

المراجــــــــع :

1- ديوان البرعي تحقيق الأستاذ عبدالعزيز سلطان، سلسلة الصفاء، الطبعة الأولى، مركز عبادي، 2003م.

2- الديوان، القصيدة رقم (53) حسب المحقق صفحة (179).

3- الديوان، القصيدة رقم (55) حسب المحقق صفحة (157).

4- الديوان، القصيدة رقم (33) حسب المحقق صفحة (172).

5- الديوان، القصيدة رقم (20) حسب المحقق صفحة (120).

6- الديوان، القصيدة رقم (66) حسب المحقق صفحة (189).

7- الديوان، القصيدة رقم (25) حسب المحقق صفحة (139).

8- الديوان، القصيدة رقم (42) حسب المحقق صفحة (205).

9- الديوان، القصيدة رقم (48) حسب المحقق صفحة (224).

10- الديوان، القصيدة رقم (37) حسب المحقق صفحة (186).

 

 


جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش