|
حالات الوجد والانخطاف والحلم
لدى الشاعر
"عبدالعزيز
المقالح"
عبداللطيف الأرناؤوط
ينطلق الشاعر اليمني الدكتور "عبد العزيز المقالح" في مجموعته الشعرية (بلقيس..
وقصائد لمياه الأحزان) على دروب حداثة واعية ومتوازنة عبر اتصاله بعالمه الوطني
والإنساني، ومن خلال مشاعر دافقة تبرز جمال العالم الذي يتحدث عنه ويعبر بالصور
والرموز من غير تكلف لفصاحة مفرطة، فيغدو الشعر في نظره معنى الإثارة والعمق،
فهو اختبار داخلي لا يتحدث عن المعالم، أو يضعها كما هي في الواقع، وإنما
يقدمها عبر اختبار يقوم على المعرفة الشخصية لا العقلية، وهذا لون من الحلم أو
الانخطاف يبدو فيه الشاعر وكأن الأشياء في هذا الكون ليست منه.
والشاعر (المقالح) ملحمي النفس، اجتهد في الاجتياز بشعره من الغنائية الذاتية
إلى شعر ميتافيزيقي وطني يختار حب الوطن تحت إخفاء المعاني المباشرة السطحية
لهذا الحب والارتقاء بها، وبالحدث التاريخي إلى الحلم العميق، من خلال الحنين
إلى الماضي وبعثه والنظر إليه على أنه فردوس مفقود كطفولته الضائعة.
الماضي لدى الشاعر (المقالح) تجسيد للكفاح الأبدي، كفاح الإنسان عبر التاريخ
لبلوغ المطلق.. ولم يكن الشعر لديه لعبة شكلية بل كان رسالة وخلق عالم متخيل
يعادل العالم الموضوعي ويتجاوزه بهاءً وجمالاً.
في قصيدة (بلقيس) ينبعث حلم الماضي العريق من خلال زيارة قام بها لقرية "سحر"
الأثرية في اليمن، ونلاحظ كأن الإنسان اليمني نقل حضارته وحمل وطنه في قلبه
فأطلق على معالمه الحضارية في مغتربه أسماء قرى اليمن ومعالمها الحضارية، وأراد
أن يجسدها في المهاجر، فقد لفت نظري أن قرية مماثلة في سوريا ما زالت تحمل هذا
الاسم في منطقة "اللجاة" الصخرية، وهي آثار لمسرح روماني، وأن بناته هم من
العرب اليمنيين الذين هاجروا إلى جنوب سوريا.
ومن قرية "سحر" اليمنية يبعث الشاعر تاريخ اليمن العريق في قصيدة ملحمية تقوم
على مقدمة وثمانية مقاطع يحاول فيها الشاعر أن يهرب من واقعه إلى ماضي وطنه
الذي كله فرح وازدهار، حيث بدا الإنسان مؤتلفاً مع الطبيعة والأرض مندفعاً من
ظلام الواقع إلى نور نهار أبدي مكافح حيث يقف الشاعر أمام عظمة التراث ويبدو
منبهراً ومنخطفاً ومتوترا يعبر عن قلق، ومشحوناً بالذكريات.
يحاول الشاعر في مقدمة القصيدة أن يضبط انفعاله وتوتره، فعظمة "سحر" ليست
مستمدة من سماء الخرافات:
هي من هذه الأرض
معجونةً بأساطيرها
وبأحزانها
ولها من جمال السهول
ومن كبرياء الجبال
ولم تنحدر من سماء الخرافات
أو هطلت ذات صبح مع الغيم
ما زال شباك منزلها مورقاً
بالأحاديث واللفتات
وأصداء ضحكتها كسلاسل من ذهب
تتفتح كالضوء
عبر الزمان، ترنُّ
تزيل الغبار عن الروح
واللغة المتعبة.
بهذا المدخل يبعث الشاعر الحضارة اليمنية من أنقاضها، ويعيد إليها حياتها
ووحدتها بعد أن جهدت فوضى الزمن في مراحله المتعاقبة أن تحيلها إلى عالم محطم
مبعثر، يطمسه غبار التاريخ وقرية "سحر" هنا تشبه روحه المحطمة القلقة التي يسعى
أن يرد إليها وحدتها بالشعر.. ولغة الشعر التي يصفها بالمتعبة.
ويقطع الشاعر النسق السردي في المقطع الأول، فيتحول الكلام إلى لسان "بلقيس"
سيدة "سحر" ومبدعة حضارة اليمن، فإذا هي تتساءل عن هذا الصوت الذي بعثها من
مرقدها:
من ألبسني هذا الصوت
وأطعمني هذا الإيقاع
ومن ألقى في شفتي أطواق نجاة
للكلمات
من وهب الماء لذاكرتي
وأعاد الشمس لدورتها
والنهر إلى مجراه
هذا صوت الشاعر الذي ما فتئ يتحدى الموت، ويبعث من القبور الموتى، كأنه يحاول
أن يكشف لنا السر الخفي المقدس لوطنه، يبوح به باستنارة من قلبه، إنه الماضي
الذي لا يبدو جزيرة في المكان بل طفولة تاريخ بهي وفردوس مفقود.
ولا يبدي الشاعر هرباً إلى الخرائب والآثار حيث العالم الميت المندثر، وإنما هو
حنين إلى الإنسان في شخصية "بلقيس" التي بدت أعمالها إبحاراً نحو المستقبل،
يحثنا على أن نكون مثلها ننتصر على الزمن ونخلد فيه.
وفي المقطع الثاني يطوي الزمن "بلقيس" وتنطوي معها حضارة اليمن العريقة، ولا
تبقى إلا الطبيعة الخالدة تبكيها بدموع المطر المتساقطة من أعالي الجبال، فلا
يتذكرها إلا الشاعر الذي فارق بفراقها طفولته عهد البراءة والتخيل والنقاء،
فنسمع صوت الشاعر:
ويظل القلب مقتولاً بهواها
يتحسس جدران الذكرى
يغفو عند نوافذ كانت يوماً
ترفل خلف ستائرها
كم مفتاح حمل القلب إليها
لكن الكف الأعمى لا يرى..
فأضاع تضاريس البرق
وأقفل باب الأكوان
وراح يغني
يبكي أسماء الأسلاف
ويظل الماضي دليلاً للمثل العليا التي ينشدها الإنسان وعنواناً للمستقبل،
فالذاكرة لا تعارض سير الحياة، فإن حاولت بعث الحضارة الراقدة في أكفانها، فليس
ذلك لكي تمجد الموت، بل لتقنعنا أن نترك ذكرى من بعدنا، لكن الشاعر يرى أن حاضر
وطنه القريب أضاع تضاريس البرق، وراح يتحسس الماضي بكف الأعمى، فلم يعد يبني
للمستقبل بل ركن إلى اجترار الأمجاد الغابرة.
وفي المقطع الثالث يجسد الشاعر روح الحضارة اليمنية ممثلة بشخصية "بلقيس" فيرى
أنها تتمثل بالحكمة التي يسقط أمامها كل بهاء وكل شعر:
والحكمة باب سماوات الشرق
ومخزن كل يواقيت العالم
فاطرد بالحكمة كل ذباب الوهم
وإعصار الرغبات
وعش في الصحراء وحيداً
لتتعلم كيف يذوب اللهو
وتمنحك اللذة غربتها
تتجلى حكمة "بلقيس" في حرصها على استمرار الحياة، ورفع عبء الحروب عن كاهل
الأرض، هي الحكمة التي أذهلت الشاعر، وهذبت نزعته للعنف، فبدا منهزماً أمامها
استحالت قوته إلى ضعف..
وفي المقطع الرابع، تبقى الطبيعة وحدها، والأرض التي أنبتت مجد الحضارات، إنها
وحدها تغسل النكبات وتتابع دورتها عبر جمالها الساحر، فلم تعد "سحر" الماضي
المدفون بل المستقبل المتجدد، والذي يغسل النكسات ويغري الإنسان بأمل وبعث
جديد:
الآن وقد غسل الله الأرض
من الحزن
وشعشع وجهك بعد الموت
وبعد القبر
هذا عطر مناديلك ملء الوادي
يتكئ الورد عليه
تقول عصافير القرية
ما شئتم فخذوا
لا ترتعش الأجفان من الضوء
ولا الكلمات من الصمت
يتلألأ كالبرق
ضوء لبلقيس
في عتمة الرمل
تخرج من "سحر" في ثياب الطفولة
مشمسة
يتفجر منها الصباح بألوانه
نهدها راقصٌ في الفضاء الفسيح
وأقدامها تنقش الأرض ورداً و"فارعةٌ"
وكما تتجدد الطبيعة وتمتد كف الله لتبعث فيها الخصب، يتجدد الإنسان اليمني بعد
أن تآمرت عليه قوى باغية، فجعل من أرضه مأدبة للغرباء:
كلاب القبيلة شاءته
مأدبة للضيوف وللغرباء
ولكنه في سحيق المدى ذاب
صار شعاعاً
قصائد مورقة بالعطور وبالضوء
أسلم لله غايته واستقام
نلاحظ خلال المقطعين الأخيرين صورة الأبدية وهي تتثاءب على جبال اليمن
وأوديتها، إنه حضور الموت والعدم يغالب الحياة ويقهرها ويقهر الشاعر أيضاً:
ليس في "سحر" اليوم ما يسند الروح
لا شيء في الحجرات،
ولا نار يوقدها،
هرمت "سحر" والحجارة والقصر
شابت صخور الجبال المحيطة
والرمل أثقله الخوف
واحتدمت في التلال الرتابة
غير أن الشاعر لا يقرأ الفاتحة على قبرها، بل يرى في هذه الأبنية الأثرية
الضائعة في الرمال رموزاً، تركها الإنسان اليمني في طريق مسيرته كدليل على
انتصاره، وتحديه للفناء، فسحر التي رسمتها فتوة "بلقيس" تظل سيدة الجمال وفاتنة
العصور، تنبعث من موتها لتتجدد وتخلد بمرويات التوراة والإنجيل والقرآن عنها،
أي بالحرف المقدس مثلما تبعثها قصائد الشاعر الآن.
في القرآن، وفي الإنجيل، وفي التوراة
اكتحلت عين الأرض بطلعتها
هطلت من بين الصفحات
امرأة، لا أحلى ولا أجمل
إلا أن ائتلافها الخالد الممثل بماضيها التليد، لا تنيره اليوم غير شمس شائخة،
تسكب دماً أبيض بدل النور وفوق الإسفلت، على بحر من الحياة غريب ووافد لا يثمر
سوى النار واللهب والأصابع السود. ولا يخفى أن الشاعر هنا يدين الحضارة الغربية
التي قتلت روح الحضارات واستأثرت بمنجزاتها المتعالية على الماضي، فلا بد أن
تستفيق هذه الحضارة من غرورها، وتسمح للروح أن تستعيد تألقها الماضي: زمن
الإعصار الأول كما يسميه.
فالقصيدة نشيد ينبعث من توتر عاطفي وقلق مسيطر، واختبار روحي هو السبيل الأفضل
لمعرفة العالم، ونزعة غنائية هي الطريقة الطبيعية للاعتراف بالامتنان، وكأنها
تسبيح يتصاعد من شفتي الشاعر المأخوذ بماضي وطنه، فهو يرى فيه نهضته ونشوره..
لم يحلق شاعر عربي في مدح الوطن مثلما حلق الشاعر "المقالح" ولم يطر بأجنحة
الخيال بجراءة تشبه جراءته، وجوهر الشعر لا ينحصر بالمجاز والرمز فحسب بل في
بناء القصيدة التي جاءت على صورة موجات عاطفية تتوالى مقاطعها في وحدة كلية لا
تنفصم، وتتعدد أصواتها، ومهما كان هذا الشعر مجدداً في لغته وفي رؤيته فإنه يظل
تثبيتاً لروح الشعر العربي أكثر منه تهويماً في متاهات الغموض، إنه التجديد
الذي ينهل من النبع والذي نتمنى أن يحتذي به المحدثون ليروي ظمأ غدنا.
وفي قصيدتيه التاليتين: (رومانتيكيات)، و(مزيج من الكلمات لمريم) يسعى الشاعر
إلى أن يطير بالشعر ملتمساً عبارات أكثر كمالاً وبهاءً، لكنه إحساسه بعجز اللغة
يقف حائلاً بينه وبين طموحه إلى الكمال الشعري، إنه طيران النسر الجريح الذي
يرتد إلى خيبته كلما حاول التحليق:
كان العشق منذ المهد يصحبني
يهدهد نار أشواقي
ويرسم لي طريق الحب بالألوان
بالكلمات
لكن الجمال أعادني طفلاً
وأغلق دوني الأبواب
والأبواب خانتني
وقالت للبعيد وقد جفاني
"هيت لك"
الشاعر "المقالح" لا يطمح بمجد العروش وإنما يطمح بمجد الكلمة، يريد أن يكون
ملكاً متوجاً لمملكة الروح في نزوعه إلى المطلق، لكن جسده المادي يرده إلى
التراب، وحضارة الإسفلت تنأى به عن جمال البراءة والنقاء..
يا طفلتي
يصطادنا الإسفلت
تنكسر الأباريق التي خبأت فيها ما تبقى
من صبانا المورق المفتون
هل في الكأس من عينيك..
أسئلةٌ
وهل في الشارع المبتل بالأشجان
من أخبارنا حرفٌ
فصوت الشاعر قد ناء تحت عبء الأحلام الخائبة، وحل محله حنين إلى أحلام ماضية
يستحيل اليوم تحقيقها، إنه في هذا العالم ولكنه مطرود منه، ويسعى إلى تبديل
وجهه بالشعر، ويخالجه الندم لأنه اختار الحرف فضاءً وجناحاً:
هل أخطأت طريقي؟
حين اخترت الحرف فضاءً وجناحاً
أبحث عن نفق لا ضوء به
عن برقٍ مسجون يرسم لليل صباحاً؟
هل أخطأت طريقي؟
فانسكب الحرف على دربي شوكاً وجراحاً.
ويبكي زماناً كان فيه كل شيء منسجماً ومؤتلفاً واستحال اليوم إلى تصدع وعجز لا
لغة فيه للشعر سوى الصمت الذي يمارسه الهندي في "نرفاناه" للوصول إلى ربه:
وكبوذي يتسول لغة من تابعه
أتعثر، أغفو، أشكو
فيلبيني صمتي بمواجعه
وينام على صدري كل مساء
وكصوفي يدثره صمته بلحاف من ماء الكلمات، فيخفي رأسه تحت سحابته ولم يندم، بل
عانق الصمت وأيقظ حروفه فيه وأشجانه، وأطلق لأجفانه "ماء الحزن وغيم الحسرات"..
لم يستطع الشاعر أن يحقق ذاته في وجوده الاجتماعي، حيث تنفي عملية الغياب
والحضور نصف الوجود:
نصف بلاد لا تكفي
نصف صباح لا يكفي
نصف صديق لا يكفي
أية أشباح تسرق نصفي
أي غراب يصطاد إذا جاء الليل
غنائي..
هذا الحضور المجتزأ للوجود لا يروي ظمأ "المقالح" للمطلق، يتخلى عنه الأصحاب
فيهجرهم، فيفيء إلى مصادقة الطبيعة، فيتخلى عنه الشعر.. فليس له إلا أن يفر من
عالمه وما فيه من قيود، ويحطم قفص الوجود ليحلق كالعصفور، وتفلت روحه من بشرٍ
قيدتهم المادة هم أشبه بالجثث الملقاة كالأحذية على العتبات (ص28).
وفي قصيدة "ضريح من الكلمات لمريم" يستعيد الشاعر طفولته وطفولتها، ولعله يرمز
بمريم إلى ماضي وطنه، فإذا هي محبوبة يتعرفها صغيراً.. كانت أكبر منه قليلاً،
وأقل قلقاً، وفي عالم الرؤى ينتفي الوجود كله، فلا يبقى إلا الشاعر ومعشوقته
(اليمن).
هو فقير بحاضره، وهي غنية بماضيها، لكن ذلك الفارق لم ينفِ علاقة الحب الوثيقة
بينهما، وهذا الرباط من الحب الوطني ألف بين الشاعر والأرض فتوحدا في إطار
طبيعتها المعطاء، إنه يستجلي صورة الوطن بأحلام طفل اجتمع بطفلة يعشقها في
ضاحية سكرى بالخضرة:
كان الضوء هناك يداعب أطفالاً وأرانب
يمشي بين خراف ترى
وفراشات تتوارى خلف الأعشاب
وتركت كفي بين يديها
وتسلل صوت المزمار طرياً
وندياً
ذابت روحانا في النشوة
حتى جاء الليل
والليل هنا رمز للموت والفناء واندثار الحضارة اليمنية، حيث تجوع مريم (اليمن)
بعد أن يزول مجدها الغابر، فيتمنى الشاعر لو يكون خبزاً تفتته بأصابعها لتطعم
صغارها.
وتعود "مريم" إلى الطين، فقد كرم الله آدم بالموت، ويبقى الشاعر وحيداً يكتب
بالحزن ضريحاً لهواها الأول.
إلا أن الشاعر، لا يسعى إلى بعثها بل يكتفي بانتظار البعث ليقرأ لها ما كتبه
عنها من قصائد منقوشة كالتعاويذ في سفر الذاكرة.. وعجز الشاعر عن أن يسهم في
بعثها، يرميه بلون من السريالية والعبث والخيبة دون أن يتجاوزها إلى العمل
والسعي، فيغدو نزيلاً للحزن والصمت.
وفي قصيدة عنوانها (شتائية) يرفض حضارة المدن ذات الوجوه الداكنة، والأقدام
الباردة، حيث الخوف يلاصق بيوتها، والمقاهي تحشي الليل، إنها حضارة شتائية
الوجه، ينعزل فيها الفرد عن المجتمع، ولا يدفعه إلى التجمع إلا الخوف وشهوة
الكسب أما حضارات الأمس فكانت صيفية ينفتح فيها الإنسان على الطبيعة ويسودها
الحب والتواصل، فهي أكثر ثقة بالإنسان.
وفي قصائد المجموعة الأخرى، يطالعنا شعر قلق متشنج تدق فيه الكلمات جداراً لا
يقهر، وتتوجه إلى الإنسان في عظمته وانحداره، ففي قصيدة (خمس لوحات) لشهداء
الثورة الدستورية في اليمن، تتجلى عظمة الشهيد، هو من أوصل الأرض بالله تعالى
في لحظة لا مثيل لها وبأصابعه المطمئنة أوصد أبواب مملكة الليل والظلمة
الأبدية.. وتتجلى عظمة الخليفة عمر بن الخطاب في غيرته وحرصه على أمن شعبه:
أيجوع الخليفة والأرض ملك يديه
الفراتان والشام والنيل –لو شاء-
كانت حدائقه؟
ليس بالخبز يحيا تلاميذ (أحمد)
أو بالقصور يشيدون مملكة الله
يا له، رجل في ثياب مرتقةٍ
وضميرٍ بلا رقع أو ثقوب!
ولا تقل صورة الزهراء عنها نصاعة:
من رنين اسمها يصعد الضوء
تورق أحجار مكة
تخضر صحراء "نجران"
سيدتي: كل ليلٍ له نجمةٌ تتحدى الظلام
سوى ليلنا لا نجوم به
أطفأ الحقد أحلام كل الرجال
ويعمد الشاعر "المقالح" إلى التشكيل الفني للقصيدة التي تتألف من خمسة مقاطع
بينها رابط خفي هو عظمة تضحية الشهيد، ورجال الأمن الذين رفعتهم إنسانيتهم إلى
عالم المطلق.
كما يتكئ الشاعر كثيراً على الإشارات التاريخية التي يتخذها رموزاً ومرايا
لرؤاه، ويستعير لها وقائع من الكتب السماوية وبخاصة (القرآن الكريم) كقصة
"سليمان وبلقيس" وقصة "يوسف" الذي غدر به إخوته، إذ يغدو دمه اليابس على القميص
شاهد إدانة للظلم في كل العصور، وقصة امرأة عزيز مصر التي راودت "يوسف"، ومن
التاريخ العربي حرب "داحس والغبراء".. ويخاطب صديقه الشاعر "محمد عبدالسلام
منصور":
لا تقل ما ترى
في القميص دم يابس
بيد أنك لا تقرأ الدم
والذئب منهم
بيد أنك لا تعرف الذئب
لم يكن قد رأى
حين قادوه للذئب
واغتسلوا بدم كاذب
واعتمروا بالدراهم
وامرأة الدار كانت
تساوم نسوتها الطائشات
على الإثم
فاكتم عن القمح رؤياك
عن سنوات الشعير
وقل : لا أرى
قبل أن يلمع الشيب في رأس "عيبان"
في مفرق السنوات العجاف
لقد أصبحت لغة الشعر لدى "المقالح" إحالات ثقافية أو رموز للطبيعة (القمح رمز
الخصب) لكنها تظل قريبة المنال، بعيدة عن الغموض، تثري اللغة دون تعمية، وهو
يحرك جمود السرد بصيغ خطابية إنشائية تبعث في النص الحياة:
يا صاحب الزمان
انكسر الوقت وضاق صدر الأرض
لا مكان للعدل ولا للحب
لا مكان للإنسان
أخرج إلينا من أغاني الروح
إن الأرض غابةٌ للقتل
غابةٌ للزمن الوحشي
فلتكن لنا، للأرض ضوءاً خالصاً
يحمل من أقاصي القلب نجمة
ووردة.
كما تخيم على القصائد عاطفية الحزن، لكنه حزن يحمل وجه العالم ويتعالى على
الألم ليبشر في الفرح.. ففي المجموعة عدد من المراثي: (سبع قصائد للموت، وخمس
قصائد لمياه الأحزان، وبكائية إلى المروني، ومرثية إلى أصدقائه الذين رحلوا عام
1997م، ومرثية للعام المنصرم.. ومرثية إلى روح الشهيد)..
وهذه الألفة للحزن والموت لديه تعكس خيبة أمله من عالمه الواقعي، وأمله في
إبعاد الشر عنه، فأحزانه وبكائياته للموت ليست سوى بشرى وأمل خلاص عبر صوفية
ترى صورة الخالق في كل رحيل عن هذه الدنيا:
في الطريق إلى الله
شاهدت الروح –في ضفة الموت
حشداً من الأهل والأصدقاء، الذين
رأت رحمة الله أن يسبقوا القافلة
زملاء الطفولة كانوا هناك
على تلةٍ من لُجينٍ
ملابسهم –لم تعد رثة ومرقعة-
وأصابعهم تطأ المسك والزعفران
هنيئاً لهم –قالت الروح-
وانطلقت بي
إلى حيث يحتشد الأهل والأصدقاء
لنأكل من ثمر الخلد
نشرب من أبدي المياه
وضّاء كأس الموت
كنجم يتشمس قرب البحر.
فالشاعر في رحلة أقرانه إلى الموت ينشد الموت، ويرجو أن تضم جنة الخلود شعره،
فلا تموت الكلمات بل تخلد، وكثيراً ما يستعير مصطلحات الصوفيين كما هي الحال في
قصيدة (بقايا حبر مضيء) التي يوجهها إلى المتصوف الثائر الشيخ "عبدالله الحكيمي"
يقول:
يا شيخي
دثرني بعباءة أهل العشق الأكبر
خذ بيدي من هذا الليل
إلى شمس لا تغرب
ونجوم لا تفنى
سبقتني الأحلام إليك
* * *
يا شيخي
تتأجج نار الحسرة في صدري
شوقاً للقرب
تراودني الخلوة
أصعد في أفق خالٍ من إيقاع "القات"
ويدعوني زمن مكتظ بالصحو
ومتقدٌ بنداوة معراج الروح
أرى وجهك في "شمسان"
وفي "عيبان"
وأقرأ ما تكتبه عنك قناديل الصبح
وما أبقاه سكون الرهبة
من أفقٍ لقصائد أحلامي
صوفية الشاعر "عبدالعزيز المقالح" ترسم له طريق الخلاص بالحلم والشعر،
ومهماكانت هذه الصوفية خيالية فهي تظل المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من
الانفعال إلى العمل، ومن رفض الواقع إلى البحث عن بديل يتجلى في عظمة الروح،
وقد فتحت له هذه الصوفية آفاقاً من الحلم والتخيل، فاغتنى بها الشعر، وامتدت
رقعة ميادينه ليكون توقاً وتحرراً وواحة راحة لنا بعد أن أتعبتنا الحياة.
|