إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة


الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

هيكل الاتحاد

 

 

يوميات مبرشت

أو

يوميات مدينة تخرج من حدودها

هشام علي

تمهيد :

تنتمي هذه الرواية التي نحاول قراءتها، أو إعادة قراءتها، إلى بدايات الكتابة الروائية في اليمن.. ولذا فهي تحمل أسئلة البدايات واحتمالاتها, ولعل أول هذه الأسئلة يتعلق بالكتابة الروائية؛ ما الذي يدفع الإنسان للكتابة الروائية؟ وتزداد أهمية السؤال، إذا كان هذا الإنسان ليس أديباً محترفاً، ولكنه موظف حكومي كان يراقب ما يجري حوله من أحداث ويرصد التغيرات التي أصابت المجتمع والعادات والتقاليد.. لماذا اختار الكاتب عبدالله الطيب أرسلان الشكل الروائي الذي لم يكن مألوفاً في ثقافتنا، أو أنه كان في بداياته الأولى؟. لماذا اقتحم هذا الشكل الروائي الجديد واختاره ليسرد وقائع تلك المرحلة.؟ ليس ثمة شك أن حدود القصيدة وشروطها لم تكن كافية لتصوير المجتمع العدني.. كما أن وضوح المقالة وصراحتها لا تسعف الكاتب غير المحترق ولذلك كان اختيار الرواية بحدودها التي لم تكتمل بعد، وبفذيتها التي لم تتضح معالمها في حياتنا الأديبة، وكذلك بما تفتحه الكتابة الروائية من أفق ممتد يسمح للإنسان أن يكتب تأملاته في جميع الأشياء والأفكار والقضايا، دون أن يتقيد بقيود النظرية أو شروط المنطق أو ضوابط الحقيقة.. فالرواية فضاء مفتوح للقاء الواقعي والمتخيل، مكانٌ لسبر احتمالات المغامرة وسبر حقائق التاريخ وفحص مساراته وتحولاته.                                         

ولكن هل نظلم الطيب أرسلان إذا قلنا أنه افترض كل هذه الخيارات وأخذها في اعتباره قبل أن يمسك القرار ليدون بها يوميات ذلك ( المبرشت العدني) الذي يجتهد كثيراً في تحديد صفاته الشخصية قدر اهتمامه بالتقاط الظاهرة البرشوتية وتصوير آثارها المجتمعية والأخلاقية والنفسية؟..

وقبل أن نغامر بالقراءة نعود لتحديد بعض أسئلة الرواية وإشكالياتها.

ما هو الشيء الروائي في مجتمعنا؟ لماذا نكتب الرواية؟ ما الذي يبدل خطابنا الثقافي؟ ولماذا تخلينا عن الشعر الذي هو ديوان العرب وسجل أيامهم وغامرنا في الولوج إلى عالم الرواية؟ هل هي الحاجة إلى تصوير المجتمع بأبعاده التاريخية وأسسه الثقافية والأخلاقية ،تصوير الواقع الذي تناثر وفقد انتظامه ولم يعد ممكناً التعبير عنه بواسطة الشعر ونظمه؟ هذا ما عبر عنه الفيلسوف هيغل حين تحدث عن نثر الحياة اليومية وظهور الإنسان الفرد في المجتمع البرجوازي وصراعاته التي لم تعد تحمل صفات ملحمية.. ولذا ظهرت الرواية كتعبير عن هذا التحول في تاريخ المجتمعات الغربية.. هذه الطاقة الاجتماعية للرواية أعطتها مكاناً معيناً ووظائف ثقافية وسياسية وأيديولوجية عديدة .تعبر الرواية عن التحولات في أي مجتمع، وعن أفكاره وقضاياه.

وربما يتساءل البعض لماذا العودة إلى هيغل ونحن نعرف أن النقد الواقعي قد تطور على يد لوكاش وباختين وغيرهما؟ كما أن فتوحات البنيوية وما بعدها قدمت إمكانات عديدة ومتطورة لقراءة الرواية وكذلك فعلت التأويلية ونقد ما بعد الحداثة، إضافةً إلى ما جاء به أدوارد سعيد وزملاؤه من نقاد ما بعد الكولدنيالية.

إن العودة إلى هيغل هي عودة إلى بدايات الخطاب النقدي الروائي، عارياً من لباس الشكل، أو قبل أن تتحول تلك اللحظة التاريخية –أي لحظة التقاط أو تقاطع نثر الحياة مع نثر الكتابة- إلى مرحلة لاحقة أصبح فيها الشكل الفني حجاباً أو حاجزاً أو ربما رؤية كاذبة وخادعة، مرحلة اختلطت فيها صورة الواقع بمحاولة تزيينه أو تزييفه.

اختيار الرواية للتعبير عن تلك المرحلة من تاريخ المجتمع كان استجابة لتلك العوامل المتداخلة من تطور المجتمع وما رافقه من ظهور الطباعة والصحافة وتجديد الكتابة النثرية، وظهور فئات اجتماعية مدينية، مثل الطبقة الوسطى التي لم تتحدد ملامحها الاجتماعية بعد، ولم تتحدد وظيفتها المجتمعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بسبب الوجود الاستعماري في عدن وفئات التجار الأجانب الذين كانوا يستأثرون بخيرات المدينة ويسيطرون على تجارتها ووظائفها الإدارية.. كانت هذه الطبقة تحاول أن تشق لها طريقاً في وسط الازدحام.. ربما لم تكن تملك الرؤية الفكرية ولم تمتلك الدور الفاعل، ولذلك ظلت تعمل على الهامش.. تلتقط فتات الثروة التي تكسبها من نشاط اقتصادي غير مشروع من وجهة نظر السلطة الاستعمارية الحاكمة، ولكنه شكل من أشكال التعبير الوطني عن طبقة تبحث عن دور اقتصادي واجتماعي، لكنها لا تفكر بالثورة أو المعارضة أو التغيير، وتختار طريقة أخرى للتعبير، أن تسري ليلاً في أعمال "البرشوت" بدلاً من العمل تحت ضوء الشمس لانتزاع حقها في اقتصادها وتجارتها وإدارة مينائها وغير ذلك من الحقوق المدنية التي لا تعتبر ثورة في العرف الاستعماري وقوانين مستعمرة عدن.

كان الطيب أرسلان يراقب هذه الطبقة الاجتماعية الناشئة، الباحثة عن دور ووظيفة، وفي الوقت نفسه كان هو الآخر يبحث عن كتابة أدبية تستطيع الجمع بين التاريخ بكل ما يحتاجه المؤرخ من تسجيل للوقائع وتدوين لحوادث الأيام، وبين الأدب واحتمالاته المفتوحة التي لا تجعل مصداقية ما يرويه هي الحكم الفيصل ولا تكون مرآوية المجتمع غايتها.

وكانت الرواية بما تحمل من إمكانيات واسعة للتعبير، وبما تحتمل من إمكانات تاريخية وسياسية واجتماعية، هي الشكل المناسب للكاتب وللطبقة الاجتماعية الناشئة أو التي في طور التكوين، وكذا لدورها الذي تبحث عنه.. فالرواية جنس أدبي لم يكتمل، كما يقول باختين.. أي أنها تنفتح على حدود لا نهاية لها، وتحتوي أجناساً ما قبل روائية وأشكالاً أخرى من التعبير.. وهذا ما شجع على الاقتراب منها دون خوف من قيود الكتابة وضوابطها، على نحو ما تحتاجه الكتابة الشعرية.. ومن الواضح أن عناية الكاتب في هذه الرواية كانت منصبة على المضمون الروائي وعلى التقاط تلك اللحظة التاريخية وتصوير تفاصيلها ووقائعها أكثر من اهتمامه بالشكل الفني.. كذلك حاول الكاتب التعبير عن موقف الطبقة الاجتماعية الناشئة من تلك الأحداث، ولعل دوره كمثقف اقتصر على حراسة القيم الأخلاقية والتنبيه إليها، دون التدخل في تفاصيل الصراع الدائر أو في أشكال المعالجة التي اختارتها تلك الطبقة للتعبير عن نفسها وعن دورها.

وسوف نعود في فصول هذه القراءة لتفصيل ما أوجزناه في هذا التمهيد.

 

قراءة الرواية.. قراءة المجتمع

قبل أن نقرأ هذه الرواية نعود إلى السؤال الأصل.. ما هو الشيء الروائي في مجتمعنا؟ أو لماذا نكتب الرواية؟

إن الإجابة على هذا السؤال أو مناقشته ترتبط بالموقف أو ما يسمى "وجهة النظر" في العمل الروائي.. وربما علينا أن نستبق هذا السؤال بسؤال عن الكتابة الروائية.. كيف تتكون الرواية؟ وإلى أي مرجع للسرد يتجه الروائي؟ إلى حكايات الليالي وأدب المقامات وغيرها من أشكال السرد التراثي، أم إلى الرواية كجنس أدبي أوروبي وفد إلى ثقافتنا ورفد حداثة الحياة وحداثة الثقافة.. ولعل أرسلان لم يفكر كثيراً بهذه المسألة، لكنه اختار الانتماء إلى حداثة الرواية بأصولها الغربية، مؤكداً بهذا الاختيار انتماء الطبقة الاجتماعية كشكل من أشكال التعبير عن دورها وثقافتها .

والآن نعود إلى السؤال.. كيف تكوَّنت الحكاية؟ لقد أنصت الكاتب إلى كلام الناس، الحكايات التي يتداولونها والبطولات الفردية التي يروونها، وكان يتأمل ما يحدث أمام عينيه، وعند حدود السمع والبصر، نشأت أبجدية الكتابة السردية.. وربما أنه كان راوياً أميناً لما يسمع ويرى، ولكنه أضاف إلى ذلك شيئاً من رؤية المبدع وفنية الكتابة.. وهذا ما تفرضه حداثة الكتابة الروائية، أو هذا ما تفرضه حداثة الطبقة الاجتماعية الناشئة.. وقد كان الأستاذ عبدالله باذيب لمَّاحاً حين أشار إلى هذا البعد الفني الحديث الذي تضمنته الرواية.. فهذا هو ما يميزها عن المجتمع التقليدي وعن خطابه السردي التقليدي.. لقد أنكر باذيب على أولئك القائلين أن الرواية اهتمت بتصوير الواقع دون أي اهتمام بمجال البيان.. وإذا صح هذا فما هي مهمة القاص إذن؟ وما الفرق بين عجوز انزوت مع أحفادها في ركن تحكي لهم قصة مبرشت مغامر، وبين كاتب ينقل حديثها بلغة فصحى ترفعها الضمة إلى أعلى وتجذبها الكسرة إلى أسفل ثم تعيدها الفتحة إلى مكانها؟..

البحث عن التكوين الفني في الرواية وعن تقنية السرد الحديثة يشير إلى ذلك الترابط بين المشروع الروائي الناشئ وبين الطبقة الاجتماعية الناشئة وكذا بين الحداثة التي تتشكل في ظل الاستعمار وفي مواجهته أيضاً.. ربما لا تقول الرواية هذا الأمر صراحة، وكذلك لا يقوله النقد الروائي الذي رأيناه عند باذيب أو ذلك النقد الذي وجهه الأستاذ أحمد شريف الرفاعي، حين أشار إلى الأسلوب اللاهث للرواية الذي لم يتوقف عند الشخصيات والتعبير عن نفسياتها ومشاعرها..

وهذا الإلحاح على تحديث الخطاب الروائي وضرورة إكسابه أبعاده الفنية إلى جانب البعد الواقعي والتاريخي يعكس وعياً تاريخياً وسياسياً يتجاوز حدود الأدب والنقد الأدبي ، والمطالبة بحداثة الرواية هي بيان غير معلن للمطالبة بحداثة المجتمع واكتسابه قيم النهضة والتقدم والتنوير التي أدت إلى ظهور الرواية في الغرب وتعبيرها بأسلوب أدبي عن مجتمعاتها، دون الاكتفاء بالتصوير التسجيلي أو التقرير الصحفي لما يحدث فيها.

لقد أخذت الرواية بعداً أكثر عمقاً ، تمثل المجتمع والتاريخ والتعبير عنه وليس الاكتفاء بمجرد تصويره وتمثيله.. كانت الرواية الخطاب الأدبي والأيديولوجي للطبقة البرجوازية في أوروبا التي تناضل من أجل ضبط حركة المجتمع والتاريخ على إيقاع صعودها.. وكان كل مجتمع يسعى في سبيل ضبط ممارسته التاريخية إلى خلق عالم رمزي مواز تتمثل فيه القيم الأساسية التي تحمل رؤية هذه الطبقة الجديدة للمجتمع وللعالم. الرواية هي هذا العالم الرمزي الموازي الذي يحيل إلى الواقع دون أن يقف عند حدوده.

حاول الطيب أرسلان أن يعبر عن المجتمع في مرحلة معينة من تاريخه، وفي لحظة ولادة فئة أو طبقة اجتماعية، وفي سياق حدث كوني كبير، هذه العوامل الكبرى جمعها في مكان واحد وشخصية واحدة، ومن خلال تجربة أو مغامرة حاول أن يمنحها أبعاداً أوسع من الظاهر.. وقد لخص الكاتب في مقدمته هذا الظاهر من القول بشأن الرواية وما تعبر عنه من الوقائع والأحداث، فهو ينبئنا من البداية إلى زمن الكتابة ، نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تبدو في نظره مسرحية كبرى حملت إلى بلادنا وبلاد أخرى ألواناً من البؤس والحرمان وأطناناً من العذاب والشقاء.. وكان من نتائج تلك الحرب وإفرازاتها ظاهرة البرشات الوطنية، التي قامت بالتوازي مع ظهور أثرياء الحرب الذين كانوا من الأجانب.

والمقدمة تحمل أيضاً إجابة عن السؤال الذي طرحناه في مفتتح القول، لماذا نكتب الرواية؟

لقد أدرك الكاتب أن الحرب العالمية الثانية كشفت واقعاً تاريخياً داخلياً كنا في غفلة عنه، كأن أهالي مدينة عدن أفاقوا ذات صباح ليجدوا أن مفاتيح التجارة والإدارة والتعليم في أيدي الأجانب وأنهم لا حول لهم ولا قوة.. ليس هذا هو القصد بطبيعة الحال ،ولكن هذا هو الوعي الجديد الذي تريد إعلانه الطبقة الاجتماعية الناشئة التي تبحث عن دور في المجتمع، متخذة من انتمائها الوطني حجة وذريعة لأحقيتها في هذا الدور، فمعركتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع مجموعات من التجار الهنود والبانيان والفرس واليهود الذين يمسكون بأيديهم مقاليد الإدارة والتجارة، لم تر هذه الطبقة أبعد من أنفها، أو لنقل أنها رأت الأشجار ولم تستطع رؤية الغابة.. هكذا غاب الاستعمار من خطابها السياسي والثقافي، وحصرت معركتها بالأجانب من التجار والإداريين.. اختارت الحلقة الأضعف في الجدار.

هذه هي مرحلة الدعوة إلى تعدين الوظائف والتجارة، رفعت هذه الطبقة شعارها الشهير "عدن للعدنيين" الذي لم يكن انفصالياً ولا معادياً لأبناء اليمن، على نحو ما عبر عنه التفسير الأيديولوجي للتاريخ الذي جرد الطبقة البرجوازية (أو التجارية) من دورها الوحدوي في محاولة خاطئة لحصر الوحدة بالطبقات الاجتماعية الثورية دون أي تفريق بين النضال من أجل الوحدة وبين النضال الاجتماعي والأيديولوجي.. وهذه الرؤية هي التي أخرت إنجاز الوحدة اليمنية أكثر من عقدين من الزمان.

نعود إلى الرواية، ولماذا نكتب الرواية؟ هناك في المقدمة إشارة مهمة هي الغفلة عما يحدث في العالم من أزمات وتوتر، فالرواية تبحث أيضاً عن موقف من العالم ومتغيراته.. إن "يوميات مبرشت" تحاول الإحاطة بتغيرات الداخل والخارج.. الواقع الداخلي الذي يفلت من أيدي أبنائه وينهبه الغرباء، والواقع الخارجي الذي أصبحنا في غفلة عنه، ولكن الرواية في سياقها العام تلتفت إلى الواقع الداخلي وتفرق في نص تفاصيله، ومع ذلك يظل الخارج مهيمناً ومسيطراً على ذلك الداخل.. فالحرب التي تصل آثارها إلى عدن دون أن يتحدث الكاتب عنها بصراحة تفتح علاقة الداخل والخارج، الاستعمار والأجانب وأبناء المدينة وعلاقاتهم ببعضهم أو بالأجانب، تسرد الرواية تلك الأحداث وتصور حال المدينة وأهلها في زمن الحرب، لا يصور الكاتب كل الوقائع والأشياء، لكنه يلتقط موضوعاً واحداً من الواقع الذي أفرزته الحرب.. هذا الواقع بالنسبة للكاتب يحمل صفة مزدوجة فهو مجهول ومعلوم، مرئي ولا مرئي.. فظاهرة البرشات التي يصفها ويسرد وقائعها ظاهرة معروفة لمن عاشوا في ذلك الزمن لكنها مجهولة أيضاً، بتفاصيلها وخفاياها التي كشفت عنها الرواية ليس طرق البرشات وحيله هي ما أقصد، التي تجعل الرواية قريبة من الحكايات البوليسية، المجهول في البرشات هو المجتمع الذي حاولت الرواية أن تسلط الضوء عليه وتكشف خباياه.. وهنا يظهر الموقف أو وجهة النظر الذي يعبر عنه الروائي ومن أجله يكتب الرواية.

إن الروائي ينكر على الطبقة الاجتماعية الناشئة أن تحصر معركتها في "الكوتة" أو في الحصة من التجارة المسموح بها، التي قصرها النظام الاستعماري على التجار الأجانب، ولأن البداية كانت خاطئة فإن أشكال التعبير عن هذه المعركة كانت خاطئة أيضاً.. حقاً أن الروائي يميز لغوياً بين "البرشات" وبين التهريب لكنه تمييز غير مقنع، بل إن استخدام الكلمة الإنجليزية بهذه الطريقة تعطي دليلاً قاطعاً على أن هذه الظاهرة غريبة عن قيمنا وتقاليدنا ولغتنا أيضاً.. ربما يكون قبولها مؤقتاً للتعبير عن شكل من الرفض والاحتجاج، ولكن هذا القبول يعترف مسبقاً بأن احتمالات الفشل أكبر من إمكانية النجاح، إضافة إلى الآثار الأخلاقية والاجتماعية السلبية التي نشأت على هامش الظاهرة وهذه هي الرسالة التي تحملها الرواية، أو هذا هو موقف الروائي الذي أعلنه قبل أن يخوض في سرد حكايته: "في هذه الفترة من الزمن كان –من أقدم يومياته- خائضاً في الغمار مع من خاض، وهو الآن يحدثنا فيها عما حدث له، فهي كل ما يملك الآن من حطام الدنيا، فلم يبق له مما جمع سوى الذكريات، شأن غيره ممن برشت وغامر غير أنه حديث شيق فيه من العبرة أكبر موعظة لمن شاء أن يذكر"..

هذا ما يكتبه المؤلف في مقدمته للرواية . إنه يعلن موقفه من ظاهرة البرشات التي لا يحصد الخائض فيها سوى المرارة ولا يملك منها سوى الذكريات والكلام.. يحرص الكاتب أيضاً في هذه الفقرة على إقامة فصل بين ذلك المبرشت الذي سمع حكايته وقام هو بروايتها، وبينه هو كسارد.. فالرواية وإن اتخذت اسم "اليوميات" وتحدثت بضمير المتكلم، لكن صاحب هذه اليوميات ليس كاتب الرواية، حسب ما يقول المؤلف في المقدمة.

هل يمكن أن نصدق المؤلف في هذا الكلام، أم أنه يحاول خداعنا منذ البداية، ويريد أن يتحول إلى شخصية ورقية مثل باقي الشخصيات الأخرى في الرواية.. وقد حقق خدعته بنجاح؟. فنحن نلاحظ غياب المؤلف أو السارد العالم بكل شيء، فالسرد يتقدم في مغامرة مليئة بالمفاجآت، والراوي يختار لنا من دفتر يومياته ما هو مثير ومفاجئ.. وهذا ما نلاحظه من غياب كثير من الأيام التي اختفت من الروزنامة.. إنها أيام فارغة، خالية من المغامرة إلا أنها لم تكن خالية من المعاناة والألم والقلق.. وهي حالات التعبير النفسي التي لم يُعرها الكاتب اهتماماً حسب الملاحظة الدقيقة لأحمد شريف الرفاعي في مقاله عن الرواية.

يهتم المؤلف بهذه الحركة أو الظاهرة الباراشوتية، التي تشكل موضوع الرواية وأساس حبكتها، كيف نقرأ الرواية على أساس هذه الحركة؟ يخبرنا الناقد روبرت شولتز أن "القصة حركة والقصة قصة لأنها تروي لنا عملية تغير ،وضع الإنسان يتغير أو هو بنفسه يتغير بطريقة ما أو فهمنا له يتغير، وهذه هي الحركات الأساسية في القصة.. وتعلم قراءة القصص يتضمن تعلم "رؤية" هذه الحركات، لنتابعها ونفسرها.. وفي حجرة الصف فإننا في كثير من الأحيان –ولعلنا في أكثر الأحيان- نصب تأكيدنا على التفسير، ولكننا لا نستطيع تفسير ما لا نراه، ولذلك يقدم شولتز طريقة للقراءة تجعل فهم الحبكة ومتابعتها أمراً ممكناً، والقصة الجيدة في نظره يمكن أن تختبر باستمتاع عدة مرات.. هكذا تحمل قراءة الرواية لذة ومتعة إلى جانب ما تحويه من معرفة أو تسرده من حقائق وأحداث.

وإذا تتبعنا طريقة القراءة التي يقترحها شولتز في كتابه "عناصر القصة" واستخدمناها في قراءة "يوميات مبرشت".. وعليَّ التنويه إلى أن شولتز وهو ناقد بنيوي معروف، إلا أنه في هذا الكتاب لا يستخدم التحليل البنيوي في قراءة الرواية بقدر ما يحاول تقديم مقاربة عامة للقراءة، والخطوة الأولى لقراءة الرواية هي النظر إلى البدايات والنهايات ،فالقصة حركة كما أسلفنا.. أي أنها انتقال من وإلى.. والإمساك بالبداية والنهاية سيقودنا إلى معرفة كيف سارت الأحداث.. والبداية في ((يوميات مبرشت)) هي معرفة الواقع البائس لذلك الموظف العدني الذي لم يعد يطيق العيش في هذه الأيام.. والأيام المقصودة هنا هي زمن الحرب العالمية الثانية التي وصلت آثارها المأساوية إلى داخل منزل ذلك الموظف، الذي أصبح يشعر بشدة ما يعاني من أثر الحرب وأثر ثورة زوجته المتغطرسة التي لا تحسب للأيام حساباً، إنه يعاني مشكلة من مشاكل الحرب "وما أنا فيها إلا أشبه برجال السياسة حينما تعترضهم مشاكل الحرب أو السلام.. كلانا حائر فكيف الخلاص؟" بهذه البداية نعرف أن راوي هذه اليوميات ليس مشاهداً خارجياً للحرب، إنه يعيش حالة الحرب أيضاً، ويواجه مصيراً حياتياً يشبه مصير الحرب أو السلام.. ولا ندري إن كان الكاتب يقصد ما يقوله حقاً، إذ أن بطل الرواية يواجه مصيراً سياسياً، أم أنه يستخدم التعبير مجازاً.. ومع ذلك فإن القول بمجازية التعبير يظل يحتمل البعد السياسي ولا يلغيه.. والبداية تضع ذلك الموظف أمام مفترق طريقين: طريق البرشتة والغنى والسعادة الزوجية وراحة البال، وهو طريق الرجال من حوله من أمثال جاره الذي تبدل حاله وانقلب وضعه بين عشية وضحاها.. وطريق آخر هوطريق الخنوع والبقاء في الوظيفة وانتظار الماهية التي لم تعد تفي بأبسط احتياجات العيش بعد أن ارتفعت الأسعار وأصبح الغلاء فاحشاً.. ويختار صاحب اليوميات الطريق الأول ويترك الوظيفة ويترك معها كثيراً من العادات والقيم التي نشأ عليها، ويدخل مغامرة البرشات بكل آمالها وأحلامها وأخطارها.

وفي المسار بين البداية والنهاية يمر البطل بحالات من النجاح والفشل، ويصبح ثرياً ومالكاً لأطنان من البضائع وبخاراً في دار الأمير وسيارة ،ولكن النهاية تحمل له الإفلاس والسجن وفقدان الأسرة والوظيفة وعدم القدرة على المغامرة ثانية بالبرشات، ولم يعد أمامه سوى انتظار أمواله الضائعة عند ذلك التاجر الجيزاني الذي انقطعت أخباره .بين البداية والنهاية نشهد حركة الرواية، لكنها حركة لا تحمل أي تقدم رغم ما طرأ على البطل من تحولات، فهو ينتهي في النهاية إلى وضع أكثر بؤساً عما كان عليه حاله في البداية.

إذا تأملنا الشخصيات الرئيسية في الرواية فإننا نجد الموظف صاحب اليوميات وهو بطل حكايتنا في ذلك الزمان، لا يهتم الكاتب كثيراً بوصف ذلك الموظف، ربما لأن شخصية الموظف تعتبر شخصية نموذجية في المجتمع العدني آنذاك، أو يمكن القول إن فئة الموظفين يمثلون الفئة الغالبة في عدن حتى اليوم.. ولذلك يكتفي بوصف حال ذلك الموظف في وقت الحرب، ويجري الوصف على لسان الموظف الذي يروي لنا يومياته وما طرأ على حياته من تغيرات شملت أسرته ووظيفته وعاداته وقيمه وعلاقاته بجيرانه ومديره في العمل وغيرها.. أما الشخصية الرئيسية الثانية فهي شخصية الزوجة التي لم يحدد الكاتب ملامحها وأوصافها، ولكنه اهتم –مثل عادته- في الرواية كلها- بوصف مدى تأثيرها في أحداث الرواية والضغوط التي تمارسها على زوجها الموظف المغلوب على أمره، من أجل أن تدفعه في طريق البرشات، ونلاحظ أن هذه الزوجة تختفي بمجرد دخول الموظف عالم البرشات ونجاحه فيه.. كأن حضورها مرتبط بوظيفة محددة، ما أن تحققت حتى خرجت الزوجة من المنزل وانهارت الأسرة ودخلت في المقابل قيم أخرى وعادات غريبة لم يكن يألفها صاحب اليوميات.

وتعتمد الرواية بشكل رئيسي على السرد، فكاتب اليوميات يحكي لنا ما صادفه من أحداث وما حلت به من مشكلات، ولذلك كان الحوار محدوداً جداً، وقد اقتصر على البداية حيث دار حوار بين الرجل وزوجته من أجل إقناعه بتغيير مجرى حياته. الوصف أيضاً يكاد يكون غائباً فنحن لا نقرأ وصفاً لمدينة عدن -مثلاً- المسرح الذي تدور فيه أحداث الحكاية.. بل إن الكاتب يقف عند أطراف المدينة حين يقدم وصفاً خارجياً مثل مستودعات المعلا أو الخساف التي يلفها الظلام، والطريق البحري ونقطة "باب السلب" وهي نقطة التفتيش الرئيسية عند الخروج من عدن، ونقطة رقم (6) عند دار الأمير، وهي نقطة الدخول والخروج للقادمين إلى مدينة عدن من السلطنات المحيطة بها أو من الشمال.

هذا البقاء عند أطراف المدينة أو حدودها يتوافق مع أجواء الرواية التي تتحدث عن التهريب أو البرشات، وهو يتفق كذلك مع الدور الهامشي والمحدود للطبقة الاجتماعية الناشئة التي تعبر الرواية عنها وعن موقفها من الأحداث التي تجري في عدن وفي العالم، فهذه الطبقة لا تعمل من أجل الوصول إلى المركز وتكتفي باللعب عند الأطراف.. لا تناضل من أجل الوصول إلى البرلمان بأغلبية وطنية، وليس على شاكلة المجلس التشريعي الذي أوجده الاستعمار البريطاني بعد ذلك وجعل غالبية مقاعده للحاكم البريطاني وأعوانه.

وإذا كان وصف المدينة قد غاب أو وقف عند حدودها إلا أن الكاتب يوفق بتقديم وصف جميل للمبرز العدني وجلسات تخزين القات ولحالة الوجوم التي تنتاب أعضاء المقيل في وقت الأصيل كما أنه يصور وجوههم بعد أن ينتهوا من تلك الجلسة، وكيف يضيق بهم المكان وتشرد أفكارهم وتزيغ عيونهم.

ويقدم الكاتب وصفاً آخر لقرية عمران وأكواخها الخشبية، للشاطئ والرمال، وللطريق إليها من منطقة الشيخ عثمان مروراً بقرية بير أحمد.. ونلاحظ أن الكاتب في وصفه لقرية عمران إنما يراوح عند أطراف المدينة، وربما أنه لجأ إلى وصفها ليعبر عن حالة القرف التي أصابت بطل الرواية وجعلت النوم يجافي عينيه طوال تلك الليلة التي قضاها في عمران.. وفي عمران أيضاً نقرأ وصفاً لعشة تلك المرأة التي لجأ إليها صاحب اليوميات هرباً من بؤس ذلك المكان الذي قضى فيه الليل، طلباً للراحة والنوم، وقد قدمت له تلك المرأة الطعام والراحة وملأت السرير بروائح العطر والبخور، وهذه صفات لم يتحدث عنها ذلك الموظف من قبل وهو في منزله ومع زوجته.. ويحدثنا بعد ذلك عن تكرار نزواته وروحاته إلى تلك العشة في عمران وإلى بيوت أخرى في عدن.. بل إنه يستغل مجموعة من هؤلاء النساء في إحدى مغامراته البراشوتية ويذكر كيف وفقن أحسن توفيق في إنجاز تلك المهمة.

وإذا حاولنا استقراء وظيفة الوصف في الرواية،ولعل الوصف في العمل الروائي لا يحمل وظيفة محددة، وذلك ما دفع رولان بارت إلى تعريف الوصف قائلاً إنه مجموعة من الصفحات التي يستطيع القارئ أن يقفز عليها دون قراءة، وبدون أن يحدث خلل في متابعة السرد.. ولذا فإننا نفهم المقاطع الوصفية في يوميات مبرشت.. إنها تحمل وظيفة محددة في البداية وفي النهاية فمجلس القات في مبرز ذلك الجار كان هو مركز قيادة العمليات التي غيرت مجرى حياته والرحلة إلى قرية عمران وما جرى فيها سواء على مستوى عمليات البراشوت التي أخذت أفقاً أوسع، وأصبحت عمران هي الميناء غير الرسمي الذي أنشأه المبرشتون لتوسيع دائرة نشاطهم.. أو على المستوى الشخصي حيث وصل بطل الرواية إلى أقصى حدود النجاح والثراء، وبدأ يخوض في الملذات والعبث والسهر.

وإذا عدنا لتأمل شخصيات الرواية لمحاولة معرفة طبيعتها ودورها في الرواية، وحسب قول شولتز فإن من "المفيد لنا أن نعتقد بأن الشخصية وظيفة لدافعين: دافع التمرد ودافع النمذجة.. والشخصيات العظيمة والجديرة بالتذكر هي نتيجة الاتحاد القوي بين هذين الدافعين".. وشخصية الموظف في "يوميات مبرشت" تقترب من دافع النمذجة، فهي شخصية واقعية تكاد تكون ممثلة لمهنة ولطبقة اجتماعية فهي تصور نموذج الموظف كما تصف طموح البرجوازية الناشئة الباحثة عن مكان وعن دور في ظل هذه المتغيرات.

وقد حاول الكاتب أن يمنح بطله صفات البطل الرومانسي التي لا تخل بواقعية الرواية بقدر ما توجهها نحو غاية محدودة.. فالمبرشت يمكن أن يكون صورة مشابهة للص الشريف الذي صوَّره شيلر أو للبطل روبن هود، حيث يكون دافع السرقة أو قطع الطريق بهدف الحصول على الأموال التي يوزعها على الفقراء.

إلا أن هذه الرؤية الرومانسية للمبرشت لم تتحقق وغلبت الرؤية الواقعية التي لم تصور لنا البرشات في ظاهرة فردية ومصير شخصي خاص، بل أعطت صورة بانورامية شاملة لظاهرة البرشات ولواقع المبرشتين الذي يكشف عن مؤسسة ولا أقول عصابة، لا سيما إذا تذكرنا ما قاله المؤلف في المقدمة حين ميَّز بين التهريب والبرشات.. فالبرشات مؤسسة اجتماعية اقتصادية أو هي تعبير زائف عن هذه المؤسسة الوطنية المعبرة عن طموح الطبقة الناشئة وبحثها عن دور.. فنحن نلاحظ الطابع التضامني لهذه المهنة، فالموظف الذي يلجأ إلى جاره الذي سبقه في عالم البرشات يلقى الترحاب والمساعدة ولكن هناك أمراً آخر، هو السيطرة والتدخل في الشئون الخاصة للمبرشت المتدرب.. وهذا ما نراه في تدخل الجار في المشكلة التي نشأت بين الموظف وزوجته.. هذه المواقف تكشف لنا طبيعة هذه المؤسسة، وهناك أيضاً التعاليم الخاصة بالبرشات، ابتداءً من العالم السري لهم، فهم أبناء ليل، ودوائر تعاملهم مغلقة، والتجار الأجانب ليسوا خارج هذه العملية، على العكس، إنهم مشاركون فيها أو بتعبير أكثر دقة مشاركون في فوائدها، بعيدون عن مخاطرها.

وهنا نتبين أن البرشات ليس عملاً وطنياً وأن الحرب التي أرادت إعلانها هذه الفئات من أبناء عدن لاستخلاص حقوقهم لم تكن سوى أحد الدورات الإضافية للبضائع والأموال بالنسبة للتاجر الأجنبي الذي يستغل أبناء البلد لتهريب بضائعه إلى دار الأمير، حيث يبيعها بأسعار مضاعفة معطياً للمبرشت الوطني الفتات.

ونلاحظ أن قوة هذه المؤسسة الباراشوتية ممتدة في كل الاتجاهات فلديها أعوان من رجال الشرطة والمسئولين الإداريين، كما أن قوتها الاقتصادية وصلت إلى حد إنشاء منطقة حرة في دار الأمير حيث تجري عملية تبادل التجارة والصفقات وتنشأ مخازن كبرى للبضائع كما أنها انشأت ميناءً خاصاً لعمليات البرشات في عمران ،ولكن هذه المؤسسة التي وصلت إلى هذا الحد من القوة لم تكن سوى ظاهرة عابرة مصيرها مرتبط بالصدفة والمخاطرة هي طريقها سواء على مستوى المبرشت الفرد أو على مستوى الجماعة.. ونهاية الفشل التي اختارها المؤلف لبطل الرواية هي النهاية الحتمية لظاهرة اجتماعية واقتصادية سلكت الطريق الخطأ في معالجة قضايا المجتمع ومشكلاته ولم يكن الحلم الذي رآه الموظف وهو في طور دخوله عالم البرشات سوى نبوءة بالفشل لهذا الطريق، نبوءة تقوم على المنطق والتاريخ، ورغم ذلك فإن المؤلف ترك لبطله حرية الاختيار ودون تدخل.. وهذا ما يميز هذه الرواية، حيث استطاع الكاتب أن يختفي تماماً ولم يتدخل في إعطاء أية ملاحظات أو مواعظ أخلاقية، على الطريقة التي نجدها في كثير من الكتابات الروائية الأولى.

 

ذاكرة المكان.. خارج الرواية

رواية ((يوميات مبرشت)) تتحدث عن عدد من القضايا، الحرب، المدنية، البرشات، العادات الاجتماعية، المرأة، الموظفين ،ولكن حديث السرد هو الغالب فالكاتب يكتفي بالاسم في كثير من الأحيان، دون أن يعنى بالوصف أو الحوار.. والرواية مثلاً تنشأ في شيمتها الرئيسية على الحرب التي وصلت آثارها إلى مدينة عدن سواء في قنابل الطيران الإيطالي التي ضربت بعض المواقع في المدينة حتى أن أهالي عدن أطلقوا اسم حرب الطليان على هذه الحرب.. وكان من نتائج تلك الحرب خروج كثير من أهالي عدن إلى سلطنات لحج وأبين وبعض المناطق الحدودية في الشطر الشمالي آنذاك.. لم يتطرق كاتب الرواية إلى وقائع الحرب وآثارها.. التقط ظاهرة واحدة من الظواهر التي جاءت بها الحرب، وبنى على أساسها تفاصيل الحكاية، ولذلك يصبح من الخطأ القول أن الكاتب قدم صورة واقعية مفصلة للمجتمع في تلك الفترة، أي أنه اهتم بتصوير الواقع والتاريخ.. ولكننا نلاحظ أنه لمح بحس أدبي وتاريخي ظاهرة البرشتة وكتب على أساسها حكايته، وربما لم تحفظ لنا الصحف أو كتب التاريخ شيئاً عن هذه الظاهرة في عدن، واستطاعت هذه الرواية أن تحفظ لنا ذاكرة المدينة والمجتمع في هذه الفترة.. ولعل هذه هي الميزة الرئيسية للرواية، فهي ابتعدت عن الظاهر وغاصت تبحث في تفاصيل باطن المجتمع.. ومن المعلوم أن أية رواية تتحدث عن مدينة في زمن الحرب، تتجه إلى وصف القصف والمدافع والطيران والدمار الذي يصيب العمران.. لم يهتم الطيب أرسلان بهذه المظاهر التي يمكن معرفتها بسهولة، وحاول رؤية الوجه الآخر للحرب وتأثيرها على حياة الناس في هذه المدينة، وهذا هو سر نجاح الرواية وبقائها حتى اليوم.. فالآثار المادية للحرب لم تكن كبيرة، حيث كانت العمليات العسكرية محدودة واقتصرت على قصف بعض مواقع القوات البريطانية في المدينة.. ولكن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الحرب وصلت إلى كل بيت في المدينة ومسَّت حياة ومصير أبنائها.. وتغيرت بسببها عاداتهم وقيمهم، واهتز سكون حياتهم الأسرية بل انفرط عقد بعض الأسر، كما هي الحال مع بطل اليوميات.. التقط الطيب أرسلان هذه الظاهرة، وكساها ببعض التفاصيل والعلاقات.. مكوناً ذاكرة وذكرى لظاهرة تتكرر في ظروف مشابهة.

لم يرسم الطيب أرسلان صورة كاملة لمدينة عدن أو أنه لم يشأ أن يفعل ذلك، لقد ترك لنا الكثير من البياض أو الفراغ لنضيفه إلى بناء الرواية.. هل نغامر في القيام بمثل هذه المهمة فنقرأ ما هو على هامشها أو ما سكت عن قوله النص؟!..

إن ظاهرة البرشات التي تمحورت حولها  أحداث هذه الحكاية يمكن أن تنفتح على احتمالات متعددة، فالبرشات شكل من التمرد على حصار المكان وحصار السلطة، وهو كذلك ضيق بجغرافية المدينة المحاصرة بين البحر والجبل، وقد كانت مدينة عدن طوال تاريخها تفيض خارج حدودها الطبيعية، ولذلك شق أهالي عدن ذلك الباب الشهير بالعقبة ،حتى لا تكون المدينة قطعة برية وسط البحر، أو جريرة معزولة عن محيطها الجغرافي والطبيعي.. يكتب عبدالله محيرز واصفاً باب العقبة "عقبة شق في ثناياها طريق ربطها بأمها اليمن وجعل من فصلها وتغريبها وانسلاخها –رغم المحاولات عبر القرون- أمراً مستحيلاً".

والعقبة أكثر من تلال وشعوب وحصون وقلاع، هي رمز لعزم هذه المدينة وتصميمها عبر العصور لتأكيد ارتباطها العرقي والثقافي باليمن.. وطن أكبر وأشمل، أهلها أهله ولغتها لغته، وتاريخها تاريخه".

وأهمية العقبة - تنبع في رأي الأستاذ عبدالله محيرز - من دورها كهمزة وصل بين عدن واليمن، فهي تكسر عزلة المدينة أو تحولها إلى قطعة من البر في وسط البحر مفصولة بالجبال عن باقي اليمن.. وقد ظل هذا القلق من شبح القطع والفصل يراود محيرزاً وهو يقلِّب كتب التاريخ، فهو يروي عن الهمداني أن (مقطّ) هي أحد أسماء عدن القديمة (ومقط التراب) هو المنقطع من الأرض في البحر.

كان محيرز يضع في ذهنه دائماً هذا "المقط" أو القطع الجغرافي ويخشى تحوله إلى قطع تاريخي أو انقطاع عن الأصول، فنماذج مثل جبل طارق أو سنغافورة كانت تشغل فكره.. فهو يكتب في "العقبة" ما يلي: " وعند نهاية قرن من احتلال الإنجليز لعدن، وعند مناقشة مصيرها وضمها إلى الاتحاد الفيدرالي رفعت الجاليات الأجنبية مرة أخرى بأجناسها المختلفة احتجاجاً على ذلك، واشترطت أن تكون لها وضعية خاصة..

إن ما سبق لا يدع مجالات للشك في المصير الذي أريد لهذه المدينة، هو –في الواقع- فصمها وتغريبها من يمنها وعروبتها أسوةً بما حدث لمثيلاتها شهيرات الموانئ كجبل طارق وسنغافورة".

المبرشت الحديث الذي نقرأ يومياته في رواية أرسلان كان يستعيد ذلك التاريخ وتلك المغامرة الأولى حين فاضت المدينة خارج حدودها، شقت الجبل لتفتح باب اليمن وطوال تاريخها كانت عدن هي العربية السعيدة حسب ما سماها اليونان فكل خيرات اليمن كانت تجتمع في هذه المدينة، ومن مينائها الشهير كانت تخرج إلى العالم.. على هذه الخلفية التاريخية للمدينة يمكن أن نعد البرشات عملاً وطنياً، لأنه يرفض سياسة عزل المدينة عن محيطها الجغرافي والتاريخي، وفتح مجالها باتجاه البحر إلى الخارج، خارج اليمن وخارج العروبة، وسياسة الكوتة التجارية لم تكن سوى سياسة تغريب لمدينة عدن عن تاريخها وعن عروبتها، ولذا فإن الاتجاه إلى البرشات كان يحمل شكلاً من المقاومة الرمزية لتلك السياسة وهي مقاومة سلبية بطبيعة الحال، ولكنها كانت الممكن الوحيد في حساب السياسية ذلك الزمان.

هل نقول أن العقبة كانت أول محاولة برشات مارسها أهالي عدن ضد قوانين الجغرافيا، لكنها عملية برشات صحيحة لأنها ارتبطت بدور وبتاريخ.. ولا يقتصر هذا البعد الجغرافي والتاريخي لميدينة عدن على حركة في اتجاه واحد.. على العكس كانت عدن مكاناً للقاء واجتماع جميع أهل اليمن.. وأهل عدن هم أهل اليمن، والكلام لمحيرز: "يفدون إليها من كل ركن منه، فرادى وجماعات ويصيرون أهلها وتصهرهم بطابعها، ويتجدد شبابها في كل جيل، ونضارتها مع كل دم وافد جديد".

وفي هذا المعنى ذاته يكتب الأستاذ حسين سالم باصديق.." كانت عدن تلك المنطقة الصغيرة في نظر المواطنين فيها هي اليمن بأجمعها كانت لهم هي المدينة وهي القرية، هي الدار وهي المدرسة، هي الملجأ وهي المتجر. كانوا يفرُّون إليها من كل المناطق للتعليم الجيد.. وكانوا يبتاعون أشياءهم منها فينقلونها عبر الشاحنات أو الجمال أو غير ذلك، حتى حلت الحرب العالمية الثانية والتفتت الأنظار المحتاجة إلى عدن.. فقد توقفت بسبب ظروف الحرب، كما هو الحال في كل مكان، كثير من الأشياء التي اعتادوا أن تصلهم من عدن.. ونشط دور المغامرة في هذه البلاد لأنه كان الحل الوحيد كما هو الحال أيضاً في كل مكان في العالم، المغامرة لشراء الأشياء حيث تباع، رخيصة ثم إخفاؤها وبيعها فيما بعد كما تحصل الصدف، وحيث كانت، بالأسعار الغالية، وبذلك نشأ من سماهم الطيب أرسلان في هذه الرواية، أثرياء الحرب".

البرشات إذن هو تمرد على أوامر الحاكم البريطاني وعلى نظام "الكوتة" أو "الحصص" وهو أيضاً تأكيد على الدور التاريخي والاقتصادي لمدينة عدن، ثغر اليمن وفرضتها، همزة الوصل بين اليمن والعالم.. إغلاق المدينة وعزلها عن محيطها كان أمراً يتجاوز المسألة الاقتصادية.. إنه يتعلق بهوية الإنسان العربي في هذه المدينة وجذوره التاريخية ولئن فصل الطيب أرسلات في ذكر قائمة المواد التي يجري برشاتها، فإن ما لم يذكره وكان يجري تهريبه أو برشاته إلى المحيط التاريخي والجغرافي لمدينة عدن، وفي نفس تلك الفترة أيضاً، هو تسريب بعض الكتب المهمة إلى تعز وإب وصنعاء ومثل فظائع الاستبداد للكواكبي وكتب جان جاك روسو وفولتير وغيرهما من فلاسفة التنوير.. وكذلك كتابات طه حسين ورشيد رضاءء  مجلات الرسالة والمنار وغيرها من المنشورات الأدبية والفكرية التي حرَّرت الأذهان ومهدت للثورة على النظام الإمامي.

نموذج التعليم الحديث في عدن تم تسريبه كذلك إلى الشمال. وهذه هي تجربة الأستاذ أحمد محمد نعمان في المدرسة التي أنشأها في الحجرية، حيث كان النموذج العدني في التعليم نصب عينيه.. وهكذا نرى أن ماكان يجري تهريبه أو برشاته من عدن يتجاوز القماش الإنجليزي أو الأرز البسمتي، لقد كان يجري تهريب أو بالأحرى تسريب الأفكار والأنوار.. أي النموذج العدني التنويري.

ولم يكن دور عدن مقتصراً على ذلك وحسب، فقد كانت المدينة ملتقى المفكرين والسياسيين العرب الذين يأتون إليها من كل البلاد العربية ، وخاصة من الجزيرة العربية ، وقد وصف الكاتب المجري لاديسلاف فاراجو هذه الأعداد من المثقفين العرب والسياسيين المعارضين الذين لجأوا إلى عدن من مختلف البلاد العربية، وبيَّن كيف كانت النوادي الثقافية في عدن ساحة النقاش السياسي التحرري وكانت جدرانها مغطاة بشعارات سياسية صارخة مثل "بلاد العرب للعرب" أو "يا عمال بلاد العرب اتحدوا" ومن الأسماء الشهيرة التي جاءت إلى عدن في هذه المرحلة الدباغ وهاشم عبدالله وعبدالعزيز الثعالبي، وإلى هذا الأخير ترجع فكرة إنشاء النوادي الثقافية في مطلع الثلاثينيات.

في الختام أصل للقول : ربما نكون قد خرجنا في قراءتنا ليوميات مبرشت ، عن متن النص ، وقمنا بخربشات على الهامش لم تبتعد كثيراً عن ظاهرة البرشات، فتهريب الأفكار والكتب كانت من الأعمال المحرمة أيضاً.. ومشاركة الموظفين في السياسة كان أمراً محرماً أيضاً في عدن.. وقد كانت النوادي الثقافية في عدن ساحة للبرشات، حيث يجري الخوض في شئون السياسة تحت ستار الثقافة.

هل نخلص للقول إن الطبيب أرسلان ترك لنا فراغات في قائمة البرشات، وترك لنا حرية كتابة ما نشاء في ذلك الفراغ، فالرواية لم تنته، والمبرشت المنكسر صاحب اليوميات لا يزال ينتظر عودة أمواله التي طارت مثل كل الأشياء الأخرى التي طارت من بين يديه، ومرَّت التجربة كلها مثل الحلم؟

 


جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش