إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة


الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

هيكل الاتحاد

 

 

النقد الاجتماعي في

الرواية الأمريكية في القرن العشرين

 

هنري دان ببر

ترجمة : علي الصكر*

 

ـ1ـ

"إن خلق التراجيديا يتطلب من كاتبها فهماً ناضجاً للعلاقة بين الإنسان والمجتمع وبالأخص لطبيعة الخير والشر، يجب على الكاتب أن يعي بوضوح وأن يمتلك فهماً واضحاً للقوى الاجتماعية أو على الأقل للإنسان ككائن اجتماعي ،وإلا فإنه لن يمتلك الإطار المرجعي الذي سيجعل الصراع الدرامي واقعياً ،لأن بطل التراجيديا ليس فرداً مجرداً على الإطلاق ،بل إنه فرد فاعل في صراع مع أفراد آخرين في نظام اجتماعي محدد."

ف.و ماثيزين "النهضة الأمريكية"

 

"إن الإنسان يتطور طالما أن البديل الوحيد للتقدم هو الموت…. لقد تطور الإنسان"

"(وليم فوكنر إلى طلبة جامعة فرجينيا في 15 شباط 1957م "فونكر في الجامعة"

 

"أنظر إليه وأنا أعتقد أنه التاريخ الأجمل في العالم، إنه تاريخي وتاريخ شعبي، وحتى لو أني جئت في الأمس فقط يجب أن أرى نفس الرأي –إنه تاريخ كل الإلهام الإنساني- ليس فقط الحلم الأمريكي بل الحلم الإنساني ،وإذا كنت قد وصلت عند نهايته فإن ذلك أيضاً موطئ قدم في مسار الرواد."

ف. سكوت فيتزجرالد

في ملاحظة وجدت على صفحات مسودة رواية "الزعيم الأخير" بعد وفاته عام 1940م

 

 

رغم أنه نشر عام 1942م، لا يزال كتاب ألفرد كازن "على أرض الوطن" يعد أفضل ما كتب عن الرواية الأمريكية في مطلع القرن العشرين في إطاريها الفكري والاجتماعي، لكن الفكر النقدي قد تغير كثيراً منذ ذلك الحين و"على أرض الوطن" أكثر أهمية لنا اليوم كسجل لأفكار ناقد لامع نشأ خلال أسوأ أزمة اقتصادية واجتماعية في تاريخ الأمة الأمريكية، في الفصول المخصصة لعشرينيات القرن العشرين يبدي كازن اهتماماً كبيراً بشروود أندسون وسنكلير لويس وويلا كاثر وايلين كلاسكو وثيوودور دريزر الذي يعتبر كازن روايته "تراجيديا أمريكية" الرواية الأكثر شهرة في عقد العشرينيات، ومثل ذلك فإن رواية شتاينبك "عناقيد الغضب" في نظر كازن هي الرواية الأكثر أهمية في ثلاثينات القرن العشرين.. وفي فصل بعنوان "المختارات" ناقش كازن مطولاً روايات جيمس برانج كابيل وكارل قان فيجين وإليانور وايل، أما همنغواي وفيتزجرالد وي. يكنتز ودوس باسوس فقد جمعوا في فصل واحد بعنوان "الجيل الضائع" ووضع فوكنر مع هنري ميلر وتوماس وولف في فصل آخر بعنوان "البلاغة والألم" بينما لم يذكر ناثانيل ويست إطلاقاً.

ولدى إعادة النظر يمكننا  -الآن- أن نرى بوضوح أكثر من كازن في زمانه أن هناك فاصلاً حاداً يميز بين روائيي العشرينيات من القرن العشرين والجيل السابق لهم، كان العمر أحد العوامل الهامة مثله مثل أهمية الاشتراك في تجربة بلوغ الحادية والعشرين خلال أو بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، كان كتاب العشرينيات عملياً أطفال القرن العشرين: وليم فوكنر وسكوت فيتزجرالد وهمنغواي وهارت كرين ولدوا بعد عام 1896م وعلى عكس ذلك فان شيروود أندرسون وثيودور دريزر وويلاكاثر وايديث وارتون وإيلين كلاسكو وت.س إليوت وعزرا باوند وروبرت فرست ويوجين أونيل وحتى سنكلير لويس ولدوا في السبعينيات أو بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر، أي أنهم بلغوا سن الشباب والنضج قبل نشوب الحرب العالمية الأولى بفترة لا بأس بها.

ومن بين جميع روائيي عشرينيات القرن العشرين يعد فيتزجرالد وفوكنر وهمنغواي الأكثر انتشار والأكثر حظاً من الدراسة في أيامنا هذه.. والسبب الأهم في ذلك تأثير ما يدعى بالنقد الجديد الذي نظر كازن إلى انتشاره بشيء من الريبة عام 1941م عندما كان يكتب كتابه (على أرض الوطن) وبحلول العام 1970م أصبح الاهتمام بقضايا الشكل والتكنيك ـ الذي كان شائعاً في نقد الشعرـ يطبق بمهارة فائقة عند تقييم الرواية الأمريكية والحديثة عموماً، بالأخص من قبل ليونيل ترلنك ومالكولم كولي وآرثر مايزنير وروبرت بن وارين.. ومن العوامل المؤثرة الأخرى إعادة الاهتمام المتأخرة بأعمال هنري جيمس عام 1944م (في ذكراه المئوية) وليس أقل أهمية كان الإدارك المتنامي لحقيقة أن أعمال فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي كانت تمارس تأثيراً هاماً مستمراً على الرواية الأمريكية المعاصرة أكثر من أعمال غيرهم من الكتاب الأمريكان منذ هنري جيمس ومارك توين وابتداءً بروبرت ين وارين ونورمان ميلر وجي دي سالنجر إلى ويليام ساتريون ورالف أيلون وكارسن مككولرز وجون إيدك وسول بيللو وبرنارد مالامد فإن كل كتاب ما بعد الحرب الأمريكان شعروا بضرورة الاطلاع على أعمال هؤلاء الأسلاف العشرينيين الثلاثة (فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي)، وربما يتضاءل الآن تأثيرهم ولكن خلال العقود الماضية لم يظهر كاتب من الأجيال اللاحقة يمكن مقارنته بمنزلتهم.

وطبقاً لمراجعة أجرتها نيويورك تايمز لمبيعات الكتب ،فإن فوكنر وهمنغواي هما أكثر الروائيين الأمريكان انتشاراً ورواية فيتزجرالد (كاتسبي العظيم) هي الرواية الأميركية الأكثر مبيعاً في القرن العشرين.

يختلف هذا كثيراً عما كان عليه الحال عام 1920م عندما كان الاتجاه الغالب في الأدب الأمريكي هو الواقعية الجديدة (أو الطبيعية إذ لا يكمن التمييز بين المصطلحين)..وكان ثيودور دريزر وشيروود أندرسون الكاتبين الأكثر احتراماً من قبل الأدباء الشباب.. وكان لزاماً على كل كاتب أميركي ظهر في فترة ما بين الحربين أن يطلع على الطبيعة المتمثلة بأعمال هذين الكاتبين سواءً بالاقتباس أو بالإشارة -كما هو الحال مع جون دوس باسوس وريتشارد رايت وجون شتاينبك والكثير من روائيي الاحتجاج الآخرين –أو بالتضمين والتحويل إلى صور أكثر مأساوية كما فعل فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي.

ولكن وبغض النظر عن هذه الاختلافات فإن ما يجمع بين أندرسون ودريزر وهؤلاء الكتاب الشباب هو الإيمان بمسئولية الكاتب في معارضة وإصلاح عيوب ومظالم المجتمع الأمريكي المعاصر.. وأن أي مراجعة للنقد الاجتماعي في رواية العشرينيات يجب أن تبدأ بوصف الأهمية العظمى لأندرسون ودريزر لهؤلاء الشباب.

 

-2-

كان دريزر -وهو ابن لنساج من تيري هوت في أنديانا -أول روائي بروليتاري أميركي وبحلول العام 1920م مثل -أكثر من غيره من الكتاب الأمريكان الأحياء -الاحتفاء بالاحتجاج والنقد الاجتماعي كتقليد أدبي قومي تمتد جذوره إلى روايات فلوبير وزولا إضافة إلى وسائل البحث العلمي الجديدة في علمي الاجتماع والاقتصاد.

وليس من الضروري هنا تكرار الحديث عن تاريخ ظهور الطبيعة الأمريكية في روايات ستيفن كرين وهارولد فريدريك وفرانك نورس ولاعن دور نورس في نشر رواية دريزر الأولى (الأخت كاري) في عام 1900م التي لم تثر اهتماماً كبيراً عند نشرها ،ولكنها انتشرت بالتدريج ومن خلال القراء الإنكليز ولم تنل حظاً من الشهرة إلا بعد عدة سنوات.. بحلول العام 1902م كان رين ونورس وفريدريك قد توفوا جميعاً دون تحقيق طموحات شبابهم ،لكن دريزر بقي على قيد الحياة في عام 1920م حاز دريزر أخيراً على الاهتمام بفضل جهود الناقد المعروف ج.ل. مينكين. وعندما ظهرت روايته (تراجيديا أمريكية) دل نجاحها منقطع النظير على الاحتفاء المتأخر بالطبيعة.. ولم تكتف (تراجيديا أمريكية) بنجاحها الباهر كرواية فقد تحولت إلى مسرحية ناجحة في برودواي وإلى فيلم جماهيري من أفلام هوليوود.

عن طريق استخدام التفاصيل الواقعية، كشفت روايات دريزر عن التناقص الحاد الكامن تحت سطح   الحياة الأميركية المترفة.. وعند قراءة (تراجيديا أمريكية) و(الأخت كاري) التي تتفوق عليها فنياً، شعر القارئ الأميركي بصدمة إدراك من نفس النوع الذي شعر به الشباب في أوروبا عند قراءتهم لكتاب كارس ماركس (رأس المال) ولم يكن مفاجئاً لأحد قرار دريزر بالانضمام إلى الحزب الشيوعي الأميركي قبل وفاته بفترة قصيرة.

ورغم أن أندرسون كان أصغر من دريزر بخمس سنوات فقط إلا أن تطوره ككاتب حدث بعده بكثير، وفي الواقع كان دريزر هو الذي عثر على ناشر لرواية أندرسون الأولى عام 1916م.. وبينما كان دريزر روائي الثقافة الصناعية الحضرية بالدرجة الأساسية كتب أندرسون عن الوحدة والإحباط لدى المغترب في المدن الصغيرة في أمريكا البيوريتانية ،وكانت الذات الجريحة هي موضوعه المفضل، وبينما جسد دريزر بطريقته الخاصة روح الماركسية قدم أندرسون للرواية الأمريكية السايكلوجية الجديدة للسلوك الفردي التي تمثلت خير تمثيل في كتابات سيجموند فرويد ،وكما قدم ماركس وفرويد طريقة جديدة لرؤية العلاقة بين الفرد والمجتمع كذلك بالضبط قدمت أعمال دريزر وأندرسون للكتاب الذين بدأوا بعد الحرب العالمية الأولى سبلاً جديدة للتعبير عن تجاربهم في الرواية.. لقد كانت نقطة الاتفاق بين كارل ماركس وفرويد هي قناعتهم ،المشتركة بأن مشاكل المجتمع المعاصر هي نتيجة لهيمنة الطبقة الوسطى الصناعية.. ويكتسب هذا الاتفاق معنى خاصاً لدى كتاب العشرينيات الأمريكان الشباب طالما أن المجتمع الأمريكي هو مجتمع تسيطر عليه الطبقة الوسطى أكثر بكثير من أي مجتمع أوروبي.

أضاف أندرسون عاملاً فنياً جديداً إلى طبيعية دريزر فبينما تقدم روايات دريزر طريقة لتنظيم المجتمع الأمريكي، يقدم أندرسون بعداً آخر من خلال استكشافه للأعماق النفسية للشخصية الروائية، كان أندرسون واعياً لأسلوبه أكثر من دريزر ،لكنه كتب قصصاً قصيرة فقط تتركز حول شخصية محورية ولم يكن قادراً على استيعاب المتطلبات البنائية للرواية ،ولم يكتب أبداً رواية من الطراز الأول، ورغم أسلوب دريزر الصاخب فقد اعتبر معماراً للطبيعية كما نوه أندرسون بشهامة في تقديمه لمجموعة قصصية لدريزر: "إذا كان هناك اتجاه حديث في الكتابة النثرية الأميركية وحركة نحو الشجاعة والإخلاص للحياة في الكتابة، فإن ثيودور دريزر هو رائد وبطل هذه الحركة".

في عام 1929م حدثت أزمة (وول ستريت) الاقتصادية وساد الإحباط والمعاناة حياة الأميركيين في الثلاثينيات وأصبحت طبيعية دريزر وأندرسون هي الاتجاه الأدبي السائد حيث تبناها الروائيون الواحد تلو الآخر لإظهار القهر الاجتماعي في مناجم الفحم والمصانع والحقول والشوارع الضيقة المكتظة بالبشر.. وأضاف بعض الروائيين إضافات فنية لنماذج دريزر وأندرسون فحاول جون دوس ياسوس أن يطوع أسلوب السرد الصحفي الممل في رواية (U.S.A) مع إضافة بعض الوسائل الغنائية والتصويرية المستعارة من أعمدة الصحف والسينما، لكن هذه الوسائل فشلت في إخفاء قصور مخيلته الروائية ..كانت رواية شتاينبك (عناقيد الغضب) التي ظهرت عام 1939م هي الرواية الطبيعية الأكثر نجاحاً بعد (تراجيديا أمريكية) فقد تعلم شتاينبك الكثير من فرانك نورس كما تعلم من دريزر ومن أندرسون و من تلميذ أندرسون آرنست همنغواي.

أدى نشوب الحرب العالمية الثانية وحالة السقم والملل الناتجة عن التجنيد في الجيش إلى توفير مادة خصبة للروائي الطبيعي في الأربعينيات من القرن العشرين.. فقد أضحت الشكل المألوف الذي يضع به الروائي المبتدئ تجربته الشخصية في الأدب كما فعل نورمان ميللر في روايته (الميت والعاري) 1948م وجون هورن برنز في (المعرض) 1947م وساول بيلو في (الرجل المتأرجح) 1944م وجيمس جونز في (من هنا إلى ما لا نهاية) 1951م.. ولقد تأكد ازدياد التأثير العام للطبيعية منذ العشرينيات فما فوق بظهورها التدريجي في المسرح الأميركي، أولاً في مسرحيات يوحين أونيل (فاصل غريب) 1928م وكليفورد أوديتر (بانتظار ليفتي) 1933م، (الفتى الذهبي) 1937م.. إضافة إلى مسرحيات آرثر ميللر (موت بائع متجول) 1949م وتنيسي ويليامز (معرض الزجاج) 1945م و(عربة اسمها الرغبة) 1947م بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، لكن يبدو أن الاتجاه الطبيعية الأميركي قد وصل اليوم إلى نقطة ميتة فقد حلت الكاميرا محله تدريجياً عن طريق التوثيق السينمائي والتليفزيوني والمجلات المصورة، ويواجه كتاب اليوم معضلة كبيرة عند محاولتهم الكتابة روائياً عن معاناة الطبقات المسحوقة في ظل الظلم الاجتماعي، إذ لم تعد الطبيعية الطريقة المثلى، ويمكن أن نرى ذلك عند الكتاب الأمريكان السود مثل جيمس بلادون ورالف إيليسون وليروي جونز، لقد اعترض هؤلاء الكتاب كل بطريقته على قيود الطبيعية لا سيما تلك المتمثلة في الرواية الأكثر نجاحاً من بين جميع روايات السود في أميركا ألا وهي رواية ريتشارد رايت (ابن المواطن).. بعد الاعتراض على رواية رايت، قدم رالف أيلسون تقنيات السريالية والتعبيرية في روايته (رجل غير مرئي) 1953م.. ولكن إخفاق أيلسون المتكرر في إيجاد صيغة مناسبة لكتابة رواية ثانية دل بوضوح على حجم المشاكل الفنية التي يواجهها روائيوالاحتجاج الذين لم تعد الانطباعية صيغة مناسبة في نظرهم.

لذا يبدو أن استمرار الاحتفاء بروايات فوكنر وفينزجرالد وهمنغواي على النقيض مما جرى خلال النصف الأول من القرن العشرين من ازدهار ثم أفول للرواية الطبيعية، كان همنغواي أول من حظي بالاهتمام من المجموعة فقد ظهرت أول الكتابات المتعاطفة مع رواياته عام 1923م.. وبحلول عام 1929م كان همنغواي يمارس تأثيراً أسلوبياً على بعض الكتاب مثل داشيل هاميت ورايموند جاندلر وجون أوهارا.. لكن فوكنر لم يتمتع بالنجومية في الولايات المتحدة كما تمتع بها في فرنسا إلا بعد حصوله على جائزة نوبل عام 1950م وفي نفس الفترة تقريباً أعيد الاهتمام النقدي بفوكنر وفينزجرالد منصباً على قضايا الشكل والتكنيك ،فقد كتب العشرات من المقالات عن قضايا البنية والنص والتصور والرمزية وأنماط السرد، ولكن منذ ألفرد كازن لم يقدم أي ناقد تحليلاً كاملاً للمضامين الاجتماعية في أعمالهم.. رغم أن مالكولم كولي قد اقترب منه كثيراً في مقالات متفرقة نشرت كتقديم لمختارات من أعمال فوكنر عام 1946م وهمنغواي عام 1948م ولمجموعة قصص قصيرة لفيتزجرالد، عام 1950م.. وفي نفس الفترة تقريباً أعيد الاهتمام بروايات فيتزجرالد ولكن كما هو الحال مع همنغواي، كان الاهتمام النقدي بفوكنر وفينزجرالد منصباً على قضايا الشكل والتكنيك فقد كتبت العشرات من المقالات عن قضايا البناء والنص والتصور والرمزية وأنماط السرد ولكن منذ الفرد كازن لم يقدم أي ناقد تحليلاً كاملاً للمضامين الاجتماعية في أعمالهم.. رغم أن مالكولم كولي قد اقترب منه كثيراً في مقالات متفرقة نشرت كتقديم لمختارات من أعمال فوكنر عام 1946م وهمنغواي عام 1948م ولمجموعة قصص قصيرة لفيتزجرالد 1950م.

 

-3-

مما سبق قوله، ليس غريباً أن دريزر وأندرسون كانا عاملين أساسيين في تطور فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي، فقد تعرف هؤلاء الكتاب الشباب جميعاً على أحد أو كلا هذين السلفين قبل أن يتمكن من صقل أسلوبه الخاص.. ورغم اختلافاتهم المتعددة يشترك هؤلاء الكتاب الخمسة في إيمانهم بأن الروائي ليس فناناً مسئولاً فحسب، بل ناقد مسئول أمام المجتمع.

 في ما يتبقى من هذا المقال، سأحاول أن أبين أن فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي يختلفون عن بقية روائيي ما بين الحربين 1920-1940م إلى حد تبنيهم صيغة غير مألوفة وهي التراجيديا كوسيلة لتصوير الصراع اللانهائي بين الفرد والمجتمع، لقد اكتشفوا في رواياتهم أكثر من غيرهم في القرن العشرين ما عناه هنري جيمس بقوله: "أن تكون أمريكياً فذلك مصير مأساوي.." وأن إنجازهم الفكري هذا هو سبب الاهتمام المستمر برواياتهم بغض النظر عن الصفات الفنية في أدبهم.

لم يكن أسلوب دريزر الصاخب بل شعوره الكبير بالمسئولية ككاتب مجرب هو سبب احترام فيتزجرالد الشديد له في بداية مشواره الأدبي في عام 1919م، عندما كان فيتزجرالد يعيد كتابة روايته "هذا الجانب من الجنة" للمرة الثالثة اكتشف فيتزجرالد الاتجاه الطبيعي الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر.. "لم أقرأ زولا أو فرانك نورس أو دريزر" قال فيتزجرالد عام 1921م: "إذ لم يخبرنا أحد من أساتذة الإنكليزية في الجامعة أن هناك كتباً تكتب في أمريكا" ونتيجة ذلك ظهر تأثير الطبيعيين الأمريكان في رواية فيتزجرالد التالية "الجميل والملعون" وبالأخص في تصويره للبؤس في أمريكا الرأسمالية وشعور الإحباط لدى الشباب أثناء الخدمة العسكرية، لكنه أدرك بعد وقت قصير أن معتقدات الانطباعية لم تعد تناسبه إذ كان شاعراً إلى حد كبير.

وحالما انتهى من كتابة "الجميل والملعون" اطلع فيتزجرالد على روايتي" لوردجم" و"شباب" لكونراد و"أنطونيا" و"سيدة ضائعة" لويلاكاثر ووجد أن هناك طريقة أفضل لتنظيم تجربته المتخيلة هي طريقة الراوي –المتكلم وأخبر ناشره بأنه كان مخطئاً حين كتب "الجميل والملعون" بمزاج الواقعية، ورغم أنه تبنى في البداية وجهة النظر الطبيعية باعتماده الراوي العليم عند وضع خطة "كاتسبي العظيم" فقد قرر لاحقاً التخلي عنها واعتماد خطة جديدة تعتمد على راوٍ متكلم يدعى "نك كاراوي".

ككاتب وصديق، كان تأثير أندرسون على فوكنر وهمنغواي أكثر من على فيتزجرالد، ويبدو واضحاً تأثير أسلوب أندرسون في قصص "نك أدامز" لهمنغواي ولكن بعد نشر تلك القصص بفترة وجيزة كان تأثير أندرسون على همنغواي قد انتهى فقد أصبح همنغواي أكثر وعياً بنقاط ضعف أندرسون.. عاطفيته واعتماده على التجربة الشخصية وعدم قدرته على النفاذ إلى ما وراء حدود الشخصية.

وكان اهتمام فوكنر بأندرسون لا يقل عن اهتمام همنغواي به ولكن بطريقة مختلفة، وعندما كان فوكنر في السابعة والعشرين من عمره، وكان قد نشر مجموعة شعرية متواضعة، لم يشجعه أندرسون على كتابة الرواية فحسب، بل إنه ساعد على نشر روايته الأولى "راتب الجندي" ويمكن أن نرى تأثر فوكنر بأندرسون من خلال قراره بأن يجعل مدينته أوسكفورد مسيسبي موضوعاً لاعماله الكبرى بالضبط كما خلد أندرسون مدينة كلايد أوهايو في أعماله.

بحلول العام 1929م حازت الطبيعية على الكثير من المناصرين بين جيل الشباب في حركة نزوح كبير من رومانس القرن التاسع عشر، ويبدو هذا لبعض المراقبين كما لو أن الأمريكان يستبدلون النظرة المبسطة للطبيعة بشيء آخر ليس أفضل كثيراً، ولقد نادى جوزيف كرنج في كتابه "الاتجاه الحديث" بضرورة العودة إلى رؤية أكثر تعقيداً ومأساوية للحياة قائلاً: "إذا كانت روايات ومسرحيات اليوم تهتم بالناس البسطاء والعواطف العادية فإن ذلك لا يعني أننا أصبحنا أقل اهتماماً بمألوف الناس، بل إننا أصبحنا طوعاً أو كرهاً نرى الروح المألوفة للإنسان وعواطفه الحقة".

ولكن ما لم يستطع كرنج أن يراه عام 1929م، وما لم يتقبله النقد الأدبي قبل مضي عدة سنوات هو حقيقة أن فوكنر وهمنغواي وفيتزجرالد كانوا منشغلين -كل بمفرده- في محاولة للمضي بعيداً إلى ما وراء حدود رومانسية القرن التاسع عشر في الروايات الأمريكية والطبيعية الحديثة لاكتشاف صيغ جديدة قادرة على التعبير عن الطبيعة المأساوية لعلاقة الفرد بمجتمعه.. أي أنهم كانوا منشغلين بمغامرةٍ لم يجرؤ على خوضها أحد من روائيي أمريكا منذ هنري جيمس ومارك توين وقبلهم هوثورن وملقل، ومن الأدلة المتوفرة لدينا يبدو من غير المحتمل أن مثل هوثورن وملقل قد لعبا دوراً هاماً في هذه الظاهرة وحتى هنري جيمس نفسه كان تأثيره على همنغواي وفوكنر وفيتزجرالد أقل كثيراً من تأثير أتباعه جوزيف كرنراد وويلاكاثر وإيدين وارتون.

إن تصنيفاً من هذا النوع يفشل في تقدير أهمية التجارب الروائية الأوروبية المتمثلة ببلزاك وفلوبير وديكنز وهاردي وتورجينيف وتولستوي ودستويفسكي وجويس وبروست وموم لهؤلاء الكتاب الشباب، لكنه من جهة أخرى يجعل من الممكن النظر إلى روايات فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي باعتبارها تتويجاً للاتجاه الأدبي الطبيعي والرومانسي وأسلوب مارك توين المتفرد وتجارب هنري جيمس الشكلية.. ونتيجة ذلك كله رؤية مأساوية التجربة الأمريكية ليس لها مثيل في الرواية الأمريكية منذ ما يسمى بـ"النهضة الأمريكية" في خمسينيات القرن التاسع عشر وروايات ملفل وهوثورن.

 

-4-

لنعد أولاً إلى مثال فيتزاجرالد.. كما رأينا فقد شق هذا الكاتب طريقه عبر الطبيعية في (الجميل  والملعون) إلى الصيغ الكونرادية الأكثر تعقيداً في (كاتسبي العظيم) التي سمحت له أن يؤكد قوة وحيوية حلم كاتسبي، إضافة إلى القيم الأخلاقية البالية التي حاول كاتسبي تحقيق حلمه فيها والتي أدت إلى تدميره هو.. إن كاتسبي نفسه كان ضحية زيف هذا العالم بحيث أنه كان يعيش بالدرجة الأساس كفكرة مجردة أو مثال أفلاطوني تنقصه القدرة على إدراك المأساة ونادراً ما يتواجد كفرد خارج خيال نك كاراوي (الراوي) الذي يفتقر هو نفسه إلى قدرة كاتسبي على الفعل البطولي فيتقهقر في النهاية مبتعداً.

إن دك ديفر بطل (رقيق هو الليل) أكثر تمثيلاً للطبقة الوسطى من كاتسبي، إنه يجسد كل طموحات المؤسسة الأمريكية المسيطرة، دك ابن لرجل دين فقير لكنه نزيه حصل على كل علامات النجاح البرجوازي، ليس المال والقوة بحد ذاتهما بل وسائل امتلاكهما والتمتع بهما.. حصل دك على زمالة راقية ليصبح طبيباً نفسياً مرموقاً ثم جاءته القوة والمال معاً بشكل طبيعي عند زواجه من ابنة مليونير في شيكاغو عاش معها في حياة مرفهة في الريفيرا الفرنسية.. كان شغل دك ديفر الشاغل معالجة زوجته المريضة نفسياً إلى جانب زعامة ثلة من المغتربين الأمريكان الأغنياء وعندما تكشف القيود الاجتماعية الموروثة عن نفسها نرى أن دك لا يمتلك المصادر الروحية اللازمة لجعله قوياَ كشخص وكبطل تراجيدي فيصبح ضحية بريئة لمجتمع فاسد.

لهذا السبب فإن (الزعيم الأخير) آخر روايات فيتزجرالد –رواية ساحرة رغم كونها غير مكتملة.. فهنا يتخيل فيتزجرالد جريمة مأساوية لبطله مونرو ستاهر مما يجعله يختلف كثيراً عن كاتسبي ودك ديفر.. إن القدر المأساوي الذي يعصف بستاهر ويدمره ليس نتيجة حكم خاطئ على البشر بل إنه متأصل في طبيعية إنجازه البطولي، لقد استطاع بمفرده أن يبني مؤسسة اقتصادية لإنتاج الأفلام السينمائية ذات أهمية اجتماعية.. كانت المؤسسة ناجحة فنياً واقتصادياً لكن نجاحه هذا أدى إلى أن تحاك المؤامرات ضده وأن يستبدل بمدير آخر أقل كفاءة وإبداعاً.. ويحاول ستاهر المقاومة لكنه يهزم.. يروي فيتزجرالد الرواية من خلال سيليا برادي، وهي ليست مجرد راوية ذات وظيفة فنية، بل إنها هي أيضاً نتاج وضحية للمؤسسة السينمائية فقد دمرتها القوى الرأسمالية الأميركية روحياً وجسدياً.. ونجدها تروي القصة من غرفتها في المستشفى وهي تنشد من خلال إعادتها سبباً للبقاء على قيد الحياة في (الزعيم الأخير) يحاول فيتزجرالد –أكثر مما في رواياته السابقة- أن يكشف عن جانب مهم من التجربة المأساوية في المجتمع الأميركي.

يمكننا أن نلاحظ حركة انتقالية موازية من الطبيعية إلى الصيغ التراجيدية تجري في روايات فوكنر بدءاً من (سارتوريس) التي بدأ كتابتها في 1927م وانتهاءً بـ(إبسالوم.. إبسالوم) أفضل تراجيدياته والتي نشرت عام 1936م، يسعى فوكنر في رواياته التجريبية الواحدة تلو الأخرى التوفيق بين بطولة وفضيلة الجنوب وانكساره النفسي في صيغة تراجيدية معتقداً أن هذا التوفيق هو الذي يسمح للجنوب بتقرير مصيره المحدد في المجتمع الأميركي.

يجسد بايارد سارتوريس –بطل (سارتوريس) التي كان فوكنر قد أسماها في البداية (رايات في الرمال)- كل الفضائل الرومانسية للمغامرة والحيوية التي يحتفي بها فوكنر في كل أعماله ،ولكن بايارد لا يستطيع تسخير المغامرة والحيوية إيجابياً، لذا فإنهما تقضيان عليه في النهاية.. إن الصيغة الطبيعية الواضحة التي يستخدمها فوكنر للتعبير عن مأزق بايارد وعبء الماضي الجنوبي لا تسمح له بتصوير الطابع المأساوي لمصير بايارد فنجده مقنعاً على المستوى الطبيعي كرجل أجوف يعيش في فترة ما بعد الحرب أكثر منه تجسيداً بطولياً لفئة الجنوبيين.

في رواياته الكبيرة التي تلت : (الصخب والعنف) و(كما أرقد ميتاً) و(ضوء في آب) نرى أن تجارب فوكنر المتطرفة في التكنيك كانت مبهرة ولامعة جداً، بحيث أعمت أبصارنا عن حقيقة أنه كان يلتمس طريقه نحو صيغةٍ أكثر إمتاعاً للتعبير عن رؤيته التراجيدية.. في (الصخب والعنف) كما في (كما أرقد ميتاً) نجح فوكنر في خلق أبطالٍ أقوياء ببساطة عن طريق تجنب التمثيل الطبيعي لهم والإيحاء  -في حالة كادي كوميس وايدي برنون بالقوة البطولية للشخصيات عبر تأثيرها على أفعال ومشاعر الآخرين ..في (ضوء في آب) يعم فوكنر ويوسع المضامين الاجتماعية لمثل هذا السلوك البطولي عبر (تصغير) البطل إلى فكرتين مجردتين: جو كريسماس العنصر الذكوري للقوة والنشاط الذي يجرده المجتمع من صفاته الإنسانية ويقضي عليه ،ولينا ترون العنصر الأنثوي السلبي الذي ينجو بالعيش بعيداً في عزل عن المجتمع ويؤكد جو ولينا كلاهما القيم التي يجب أن يحياها الجنوب (والإنسانية جمعاء).

وتكتسب رواية فوكنر الكبيرة الأخيرة "أبسالوم –أبسالوم" أهمية فائقة لأن فوكنر أبدع فيها –أخيراً- صيغة درامية لتجسيد رؤيته عن الجنوب التي كتب عنها أول مرة في سارتوريس عبر حكاية توماس سوتين.. يشترك سوتون مع بايارد سارتوريس وجو كريسماس بصفات المغامرة والعنف والقوة اللازمة لتحقيق الذات، ولذا يكرس فوكنر مساحة كبيرة في بداية الرواية لوصف صفات سوتتن الجسدية الخارقة، وبينما يتواجد بايارد سارتوريس كلياً في الحاضر فإن سوتين هو خريج من الصفات الأسطورية للجنرال كوميسن والجنرال سارتوريس ..وجد وليم فوكنر نفسه من جهة أخرى يشرك كونتن كومبون مع الشاب الرقيق بايارد بإحساس الاغتراب والإحباط اللذين يُشعران بهما الشباب الجنوبي المحاصر في حضارة منكسرة حيث القيم القديمة لم تعد ذات جدوى.

 

-5-

في حالة همنغواي نجد أن تطور رواياته من الطبيعية إلى الرؤية التراجيدية كان الأبرز بين الجميع.. في روايتيه الأولى والثانية نرى أن الشخصيات هم ضحايا أبرياء لحرب بغيضة وسلام مقيت، حيث المخرج الوحيد هو الهروب من المجتمع، وأن ينشد المرء كماله كفرد.. بالكاد يمكن اعتبار (أن تملك ولا تملك) رواية بالمعنى المعروف، لكن في هذه السلسلة غير المترابطة من الحكايات يصف همنغواي كفاح هاري مورغان المرير الفاشل من أجل البقاء والعناية بأسرته في خضم أزمة الكساد الأمريكي، يستنتج هاري أن بقاء الإنسان حياً بمفرده لم يعد ممكناً وأن الناس يحبون أن يتكافئوا لتدمير المؤسسات القديمة التي لم تعد قادرة على توفير ضرورات الحياة الأولية البسيطة.. وعندما يحتضر هاري فإن آخر كلماته كانت "الإنسان وحده لا يستطيع المضي، لا يهم كيف، الإنسان بمفرده ليس لديه أدنى فرصة".

"لمن تقرع الأجراس" هي الأكثر مأساوية بين جميع روايات همنغواي والأكثر إيجابية في نفس الوقت، ذهب روبرت جوردان إلى أسبانيا لينضم إلى العمال والفلاحين –الذين يحترمهم همنغواي- للدفاع عنهم وعن حكومتهم الاشتراكية وعن الإخاء البشري ضد الفاشية والنظام الرأسمالي.. وتحدث المأساة من خلال شغف جوردان بهذا المثال الاشتراكي واستعداده للدفاع عنه والتضحية بحياته.. من الآن فصاعداً سيصبح همنغواي مشدوداً جداً إلى مزايا النظرة المأساوية للحياة، حيث أنه في روايته الأخيرة (الشيخ والبحر) سيلقي بعيداً كل ما يتعلق بالمجتمع ليكتب قصة رائعة نابضة بالحياة.. ففي (الشيخ والبحر) يكشف سانتياغو عن شجاعة فائقة في صراع عنيف ويثبت حقه في أن يدعى رجلاً، لكن الحياة تتطلب أكثر من إثبات الشجاعة.

كان همنغواي يمثل البرجوازية الأمريكية أكثر من فيتزجرالد وفوكنر فقد ولد ونشأ في ضاحية أوك يارك المترفة في شيكاغو لأب طبيب مرموق.. كان همنغواي عضواً في فريق كرة القدم في المدرسة ومحرراً في صحيفتها ورئيساً لدفعة الخريجين ،مجسداً قيم وطموحات كل الشباب الأمريكي، ولكونه غير لائق للجيش بسبب إصابته في عينه فقد تطوع همنغواي كسائق لعربة إسعاف وذهب إلى الحرب في أوروبا -رغم احتجاجات والديه- باحثاً عن المغامرة والإثارة: "كنت مغفلاً كبيراً عندما ذهبت إلى الحرب" قال همنغواي لاحقاً: "ولا أزال أتذكر أني كنت أعتقد أننا الفريق المضيف والنمساويين الفريق الزائر".

بعد ثلاثة أشهر كاد همنغواي أن يقتل في إطلاق نار كثيف على الجبهة الإيطالية وأمضى عدة أسابيع يعاني من الألم في مستشفى إيطالي.. وعندما عاد إلى عائلته بعد غياب أقل من سنة كأنما يعود إلى عالم غريب.. إضافة إلى جرحه الجسدي كان همنغواي قد جرح روحياً وسوف لن يشعر أبداً بالألفة في بيته ووطنه ثانية وسوف يكرس ما تبقى من حياته للانتقام لنفسه من الطبقة الوسطى في أوك يارك التي لم تحسن إعداده لواقع العالم أثناء الحرب وتركته عرضة للهجوم.. وبالمقابل سيحتفل في رواياته بقيم حياة أخرى على نقيض هذه الحياة، وعلى النقيض من أوك يارك التي لم يعد لزيارتها إلا نادراً فضل همنغواي قيم الحضارة البدائية الكاثوليكية حيث واجه الشر لأول مرة في إيطاليا وفي إسبانيا وكوبا.

ومن قبيل المفارقة أن أول رواية كتبها همنغواي "وتشرق الشمس أيضاً" سيعتمدها قراؤها الأمريكان كدليل إلى باريس والحياة السعيدة، ففي هذه الرواية تمثل باريس للمغتربين الأمريكان النقيض التام لكل ما يكرهه همنغواي في أوك يارك.. إنها ليست نيويورك، بل هي أسبانيا البدائية التي ترمز إليها طقوس مصارعة الثيران، وعندما يذهب جوردان ليحارب أسبانيا فإن غرضه هو حماية الفلاحية البسطاء والعمال ضد الفاشية والرأسمالية الفظة المقيمة في أوك يارك والعالم ككل.

ولكن من السهل تجنب كل ما هو ضد أمريكا في أعمال همنغواي، فعندما نمعن النظر في أبطاله نجد أنهم يشبهون كثيراً طلاب مدرسة أوك يارك العليا عام 1917م ،ويتذكر المرء من خلالهم بطلاً قومياً أمريكياً كان محبوباً لدى الشباب في تلك الفترة ألا وهو ثيودور روزفلت الناطق باسم "الحياة الشاقة".. فكل فرد في جيل همنغواي يعرف ثيودور روزفلت جيداً: الشاب الخجول الضعيف البنية القادم من الساحل الشرقي الذي صنع من نفسه رجلاً يتعلم ركوب الخيل والملاكمة ثم ذهب إلى الغرب وأصبح راعياً للبقر.. ولا عجب أنه ربح فيما بعد الحرب الإسبانية –الأمريكية بمفرده عندما قاد هجوماً عبر تل سان جون وكأصغر رئيس للولايات المتحدة عزز السياسة الخارجية بالاستيلاء على بنما وبناء القناة وأرسل الأموال والقوات ليؤسس قاعدة اقتصادية في الجنوب، وعندما خانه زمرة من رجال الأعمال والسياسة ثم فشلوا في إدارة الحكومة أثناء غيابه في أفريقيا لاصطياد الأسود عاد روزفلت إلى الوطن وأنشأ حزباً جديداً على نقيض الحزبين الرئيسيين وكتب برنامجاً سياسياً راديكالياً أرعب الحرس القديم وكان أن يفوز بالانتخابات مرة أخرى.

يمثل فردرك هنري وروبرت جوردان نموذج الجندي الأمريكي المثالي في الخارج –النموذج الذي أصبح العالم يعرفه- ويجدر هنا أن نلقي نظرة عليهما عن كثب.. في الظاهر يبدو الاثنان متناقضين فأحدهما ترك الحرب وهرب مع فتاته والآخر أرسل فتاته بعيداً ومات كبطل وبندقيته بين يديه، لكن هذه الاختلافات تبدو سطحية فقط فكلاهما أجاد العمل.. وعندما انهار الجيش الإيطالي ولم يعد لفردريك أي دور وكان على وشك أن يقتل لاذ بالفرار.. وعلى الجانب الآخر كان جوردان حراً في أن ينسف جسره وبمبادرة شجاعة نراه ينظم المقاتلين ويعزل بابلو المشاكس ويجرده من السلاح ويحمل رسالته المستحيلة رغم أنها تكلفه حياته، في مثل هذه الظروف نشعر أن أبطال همنغواي الآخرين سيفعلون نفس الشيء.

ولأن أبطال همنغواي يواجهون مصائرهم المختلفة في بلدان غريبة وغالباً في حروب غريبة فإنهم يستحوذون على اهتمامنا أكثر من ذي قبل.. لقد كان من المناسب تماماً لجوردان أن يتطوع كجندي بسيط في الحرب الأهلية لبلد آخ،ر ولكن في العقود الأخيرة الماضية أصبح من السياسة الرسمية للولايات المتحدة أن تقحم نفسها في عدة صراعات في بلدان أخرى، كما فعلت في الحرب العالمية الثانية وفي كوريا وغواتيمالا ولبنان وكوبا وفيتنام بحيث أن تطوع جوردان يكتسب دلالة جديدة.. ما الذي يفعله جوردان الأستاذ الجامعي الشاب في أسبانيا ولماذا يقاتل؟

من الواضح أن التفكير والقلق حول سبب وجوده هناك لن يجدي نفعاً، لذا فإن جوردان يعود إلى حالة عدم التفكير: "لقد حاربت من أجل ما أؤمن به لمدة سنة الآن.. إذا انتصرنا هنا سننتصر في كل مكان.. إن العالم جميل يستحق أن نقاتل من أجله وأكره كثيراً أن نفارقه".

جريحاً ووحيداً في النهاية، يدرك جوردان أنه لكي يتخلص من العذاب والموت الشنيع عليه أن يقتل نفسه ويفكر متذكراً انتحار والده: "أستطيع القيام بها جيداً لكني أفضل أن لا أفعل.." وطالما أنه لا بد أن يموت فعليه أن يقتل من الأعداء قدر ما يستطيع، وفي الصفحة الأخيرة تسيل منه الدماء ويجلس كبطل منتظراً النهاية وبندقيته على أهبة الاستعداد وآخر رصاصة فيها تحمل اسمه.. كل ذلك جميل وممتع ومن السهل على همنغواي أن يسخر من عبث أوك يارك كاليفورنيا –ولكن رغم نفوره الواضح من قيم الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي فإن جوردان يشبه إلى حد كبير الممثلين الرسميين لذلك المجتمع في جهودهم المرتكبة لتفسير لماذا يقاتل جنود أمريكا ويقتلون في فيتنام؟.. إن همنغواي يكشف عن المجتمع الأمريكي في رواياته –كناقد اجتماعي- أكثر مما يدرك معرفته.

 

-6-

لقد تعمدت أن أقصر هذه المراجعة للنقد الاجتماعي عند الروائيين الأمريكان على أعمال فوكنر وفيتزجرالد وهمنغواي فقط لأن هؤلاء الكتاب الثلاثة يشتركون جميعاً في الرؤية التراجيدية للحياة التي ترقى بأعمالهم فوق جميع كتاب تلك المرحلة، ليس بسبب ثرائها الفني فقط بل وأيضاً لأنهم تعاملوا بطريقة أكثر إدراكاً وشمولية مع مشاكل المجتمع الأمريكي المعاصر، إضافة إلى إيجابياته، يشترك الكتاب الثلاثة في الكثير من الصفات لكن في الوقت الذي تحد القيود الاجتماعية من طموحات أبطال فيتزجرالد وفوكنر فإن أبطال همنغواي وهم ضحايا لقصر نظرهم التراجيدي أكثر مما يدرك مبدعهم.. وعلى كل حال فإن محاولة هؤلاء الكتاب لمعالجة الصراع الفردي والكشف ليس فقط عن عيوب المجتمع بل عن قيمة الخيال والجهد الفردي أيضاً هو -كما أرى- سبب استمرار حيوية أعمالهم اليوم وحتى أكثر من أساليبهم الشخصية المتألقة.

 

هــامــــــش :

- المقال هو الفصل الثالث من كتاب بعنوان (الرواية الأمريكية وعشرينيات القرن العشرين) وهي مجموعة مقالات نقدية عن الرواية الأمريكية جمعها الناقدان : مالكولم برادبري ودافيد بالمر.

وعنوان المقال "النقد الاجتماعي في الرواية الأمريكية في العشرينيات" وبما أن مصطلح العشرينيات يبدو غامضاً في وقتنا هذا فقد ارتأيت أن أكتب العنوان "في القرن العشرين".

وعنوان الكتاب باللغة الإنجليزية :

STRATFORD-UPON –AVON STUDIES

 (13)

The American Novel and the Nineteenth Twenties

First published 1971.by Edward Arnold (Publisher) Ltd.

*مترجم عراقي مقيم في اليمن حالياً – ماجستير أدب إنكليزي من جامعة بغداد – كلية اللغات – أستاذ الأدب الإنكليزي في كلية التربية – جامعة ذمار

 


جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش