إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة

الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

هيكل الاتحاد

 

«سبيت شاعر الحب والوطن»

عبدالله راجح حسن

«الشعراء في اليمن هم الثوار.. هم الطليعة الواعية .. من طلائع الشعب» 52 وفي دراسة الدكتور عز الدين اسماعيل عن (ثورية الشعر)يقول:
«إن الشعر في اليمن في هذه الفترة اي اواخر العقد الرابع وطوال الخمسينات والعقد السادس- ظل الصوت الوحيد الذي تتردد فيه انفاس الشعب المغلوب على امره بل تستطيع أن تقول: إنه الصوت الوحيد الذي ظل رغم مالقيه الشعراء من قتل، أوسجن، أو تشريد .. يقاوم الطغيان .. ويضرب جدرانه بكل مايملك من طاقة وعنف» 26.
إن هذين القولين قد أثبتتها مواقف شعرائنا من تاريخ الحركة الوطنية في اليمن .. إذ لم يكن الشعر وسيلة للتفاخر القبائلي او الشخصي ..  او وسيلة للتكسب - المدح- بل اتجه اتجاهاً وطنياً.. وثورياً .. ووظف توظيفاً اجتماعياً .. وسياسياً .. وتمحورت مواضيعه في التوعية السياسية ، والتحريض الثوري ضد الاوضاع البائسة، والفاسدة التي قصمت أرواح الناس.

واذا كان ( محمد محمود الزبيري) قد صار شاعر الوطنية دون جدال وأبا الاحرار اليمنيين لمواقفه الوطنية الباسلة .. في مجاهراته ضد الحكم الامامي الكهنوتي .. بالكلمة والفعل .. فان القارئ لديوان الشاعر« عبدالله هادي سبيت» سيكتشف نفس هذا العذاب الصادق والجميل في حب وطنه وتمرده على كل اصناف الظلم والعذاب والاضطهاد الذي فرضه على ارضنا الاستعمار البريطاني وازلامه من السلاطين وبائعو الذمم.

وطني اتخذتك في الحياة محبتي
وجعلت منه يراعتي وغنائي27
ويقول أيضاً في مقطع آخر من قصيدة له:
وجعلت من وطني حبيباً حبه
يملي الشقاء فيكتب التخليدا
ما ان شقيت به وذبت صبابة
إلا طلبت من الشقاء مزيداً

الى ان يقول :
في أمة أحييتها في خافقي
أملاً وعشت بحبها مصفوداً28

لم يكن شاعرنا يحب وطنه حباً ساذجاً .. حباً عفوياً .. لايدرك عواقب هذا الحب العنيف الذي تملك كيانه وعاش بين جوانحه ولكنه كان حباً واعياً .. صادقاً .. راضياً كل الرضا يدفع ضريبة هذا الحب .. وإذا كان قد فرض الشقاء لمن تملك شغاف قلبه وطنه .. فانه على استعداد لقبول ماهو أشد ألماً ونكاءة من هذا الشقاء ..
ألم يوحِ لنا ضمنياً .. بقناعته ببذل الروح في سبيل هذا الحب.
ثم لماذا هذا الشقاء؟ لايمانه بأن حياته ملك للجماهير وتطلعاتها المشروعة ولايستطيع التخلي عنها .. والاستكانة الى العيش اللين.

مرحلة المراوغة السياسية
«إن شعر  ابن هادي وشخصيته تتركز في كلمة واحدة (الوطن)، فهو يحب  وطنه ويحب كل من يسعى لخير بلاده.. فان افتخر افتخر ببلاده وأمته وإن نصح نصح لبلاده وأمته .. وهو آخر الامر ان تغزل فإنما يتغزل في بلاده».30
إذا ماتمعنا جيداً في قراءة هذه الفقرة ..  أدركنا الهدف السامي لتلك القصائد التي وجهها الى أمراء بلاده وحكام شعبه .. وصوبنا سياسة المراوغة التي رسمها .. او السياسة الاصلاحية التي كان يتوخى منها الاصلاح والخير للبلاد اذا ماعلمنا بالظروف السياسية المعقدة التي تخنق أي نشاط سياسي .. الاستعمار في الجنوب والامامة في الشمال .. ناهيك عن الظروف الاجتماعية الصعبة التي كا ن يرزح تحت وطأتها شعبنا اليمني قاطبة.
لهذا قال الشاعر في قصيدته: « أتمم الاخلاق بالعلم» موجهاً حديثه للسلطان.

أتمم الاخلاق بالعلم تصل
ذروة المجد ومافوق السحاب
ثم يقول :
أيها الراعي أعرنا اذناً
واستمع تفاصيل الخطاب
هذه الأمة كم ذا وضعت
في أياديك امانيها العذاب
فاتق الرحمن في آمالها
وانف ما كان عليها من ضباب
وامتط الاقدام في تحقيقها
إن للاقدام صوتاً مستجاب
وأنشر الخير على أوطاننا
وأكفنا الشر وجنبنا المصاب31

لقد كان الشاعر على يقين تام بان شعبه لايمكن أن يتطور إلا بالعلم . وبالعلم وحده يستطيع تغيير هذه الحياة الفاسدة .. المتخلفة .. وأن ينزع شعبه حقوقه من مغتصبيه .. سلطانه .. مشيراً له بفتح المدار في سلطنته .. ولم يكن السلطان به من الغباوة مايجعله يجهل أهمية ذلك ولكنه كان يدركها إلا أنه متغافل عنها لكي يظل الشعب مكبلاً بسلاسل الجهل فشاعرنا لم يصالح ولم يراوغ من أجل كسب شخصي او جاه .. يتجلى ذلك من خلال استخدامه ضمير الجماعة في «أمانيها، آمالها، عليها وكذلك في قوله هذه الأمة .. وانشر الخير على أوطاننا.
وكفى ذلك شاهداً على حسن نيته في هذه السياسة الاصلاحية .. او المراوغة السياسية التي فرضها عليه المناخ السياسي المخيف ذلك المناخ الذي ألجم الألسنة .. ولكن ما أن اكتشف شاعرنا فشل هذه السياسة .. وانه كان في وهم .. بل كان يعيش على امل كاذب يتجلى ذلك في قوله:

وياوطني الحبيب كفاك إني
نقشت من اليراعة ذوب نفسي
وأسديت النصيحة في زمان
يجازي الناصحون به بنكس
طعنت بريشتي في الظلم حتى
دوى في مسمع الأيام جرسي
أردت الخير والرحمن أدرى
  بحسن طويتي .. ونزيه هجسي32

مرحلة الصحو الوطني
بعد أن أخفق شاعرنا في سياسة المراوغة مع حكام بلاده .. توجه الى وطنه نادماً على تلك الفترة التي قضاها في  النصح والتوجيه وإبداء الرأي .. آملاً تحسين حياة شعبه، وتوحيد عزيمته وارادته ضد الدخيل قد دفع الشاعر الثمن غالياً ألا وهو السكوت الممض:
صمت وفي الصمت أغلى الخبر
وكم بمد يحيي تعنت دهر
وناديت حتى تلاشى الندا
ورددت حتى تنزى الوتر
وجئت أوفيك حتى الولا
فما ليراعي تشكو القصر
نثرت دموعك بساحك  حتى
شكتني اليراع وما من أثر
ورددت نصحي في الدهر حتى
مللت ومل الثرى والحجر
فأين التقدم؟ أين الرقي؟
وأين النهوض؟ وأين النشر؟
وأين الحياة؟ ومانحن إلا
رموس تعيش بجهل أضر33

لقدأيقن (سبيت)أنه كان يجري وراء سراب .. وأنه كان متعلقاً بأمل خادع .. بوهم .. ولكن هذا الوهم أصطدم بالحقيقة المرة .. حقيقة خداع سلطان له .. ومضيعة الوقت .. ولا مؤاخذة على الشاعر اذا ماتمسك بخيوط العنكبوت .. فلقد تمسك قبله شاعر الوطنية وابو الاحرار( محمد محمود الزبيري) في مرحلة الاصلاح .. لهذا تعتبر قصيدته (الخروج من السجن) كما يقول الدكتور المقالح« هي بداية الانعطاف الكلي في شعره نحو الوطن كما كانت النشيد الوطني او «المارسليز» الذي ردده وهو يغادر قصر الطاغية في طريقه الى الشعب بعد مهادنة عميقة .. وأمل كاذب لم يثمر إلا المخاوف والتهديدات بالموت»34 .
إن شعر ( سبيت) في الوطن يغفر له - تورطه إذا ماكان هناك تورط - إغراقه في المرحلة الاولى من حياته الأدبية في شعر المناسبات وفي إتجاهه الكامل نحو الأغاني الغزلية»35

فيا وطناً حل بين الضلوع
لقد فاض بالنفس حرمانها
وياأملاً أرسلته الدموع
كما ترسل العين أجفانها
أنسلوا هواك وفي جسمنا
دماء تصلب شريانها
وفي روحنا نفحات الإله
وان قد تغلب شيطانها36

لقد كان الشاعر أمام خيارين: الاخلاص والوفاء للقصر .. ثم الصمت، والانكباب على ملذاته بما فيها من لهو ومجون .. او التشبث بحب الوطن وترك تلك المتع الزائفة والزائلة .. والسعادة الوهمية .. وهو الاختيار العسير والاخير .. الذي ارتضاه شاعرنا، وتحمل في سبيله الوان المعاناة .. وأصناف العذاب .. والاستلاب الانساني:

وطني ماعشت إلا لرضاك
وسأقضي العمر في هواك
ذقت في حبك ماأرهقني
وطعمت الهون  حلواً في رباك
سقمت نفسي وجفت أدمعي
وفؤادي لم يزل يتلو ثناك
كلما آلمني منك الجفاء
زدت للموت اشتياقاً في حماك
وطني أفديك في ليل الإحن
وطني أكفيك غارات الزمن
وطني أهواك في قلبي الذي
ذاب من حر الرزايا والمحن
لقد تجلى الموقف المبدئي الواضح .. بدون مواراة .. ولاتستر.. فالشاعر لم يتورط في مرحلته الأولى مع الأمراء الا من أجل وطنه .. فحبه  لوطنه كلفه كثيراً من التنازلات .. ولكن بعد أن تجلت للشاعر كثير من الأمور .. وضبابية القصر .. لم يتوان من تقديم نفسه قرباناً لانتصار وطنه .. لقد كان مؤمناً بعدالة قضيته .. وبحتمية الانتصار.
وقلب الشاعر ينزف دماً، على ما آل اليه وطنه على أيدي سطوة الحكام العاتية .. ومع ذلك فالوطن عنده، كالأغنية الجميلة الدافئة .. يواصل مزامير معاناته وأشواقه على مسمع الزمن !! واذا تغزل فإنما يتنسك في محرابه ، شاكياً إليه مايلاقيه من غبن .. ومايرزأ به من استلابات (اغترابية) توجع الروح وتشتت نبض الوجدان:

يابلادي سكبت العمر في كأس حبي
ذبت لوعة وحرمان
يابلادي نهب قلبي الهوى أيش ذنبي
غير لي في الهوى شان
ملك لك في الهوى جسمي وروحي وقلبي
أنت ياتاج الازمان
أنت روحي وراحي .. أنت دائي وطبي
أنت للخلد رضوان
من يمين الهوى باشرب من الموت نخبي
باقطع العمر نشوان

والشاعر في هذا إنما يترجم آلام شعبه وآماله .. في الحرية والعدالة الاجتماعية .. والقاء كل مايجيش بخاطره من هواجس مبرحة .. وباعثاً في الأفئدة دروب الأمل .. رغم ظلامية المسالك ووعورة السبل .. فلنقرأ أبياته الجميلة حقاً بكل تأن وتمعن  ورؤية عميقة .. فلقد عصر بين ثناياها ماوهب من إتقاد الروح .. وثورة المشاعر ..
بني وطني إني نحرت لحبكم
هنائي وآمالي ومارمت من دهري
وقطرت من كرم الكفاح صبابة
عصارتها قلبي .. وكأساتها عمري
أترضون بالخسف المبيد جهالة
كمن بدل الرمضاء في العمر بالجمر39

إنها صرخة حق وعى الشاعر بمداركها .. وصرخة رائعة، مندورة بتلاوين الحب العظيم، أبى إلا أن يجاهر بها علناً .. بعد أن طفحت مواجعه من السكون المطبق الذي يسكن تخديره ليل الجهالة .. والتضليل .. التي تمارس ضد شعبه ..

كم ذا كتمت صبابتي فتفجرت
شعراً يذوب حشاشة وكبودا
في امة احييتها في خافقي
أملاً وعشت بحبها مصفوداً 40
كان بامكان الشاعر أن يعيش حياة الترف والبذخ.. باعتباره مستشاراً للسلطان .. الذي حاول هذا الأخير بدوره .. إستئسار هذا الفن الشعري الجميل ..بيد أنه لم يفلح في مراميه تلك .. من هاجس التمرد والرفض يسكنان أعماق الشاعر .. بما يلتمسه من وطأة المعاناة التي تنيخ كواهل الفقراء والبسطاء من الشعب ، وإحساسه بالمرارة من كآدة الحياة التي يدورون في فلكها:

أبكي وحولي ضاحك مستبشر
وأذيب فيك حشاشتي برثائي
جف المداد فلم أجد ليراعتي
 إلا سحائب شقوتي وبلائي
ما للضمائر قد ذوت أغصانها
فتكشفت عن ذلة ورياء
ما للسامع قد أصم صماخها
صوت المطامع والقوى الخرساء
أمن العدالة أن تسخر امة
لمشيئة الأذناب والرقباء؟  41

الشعر عند ( سبيت) رصد ورؤية لما يجري على متون الواقع ، وصرخة تمرد جريئة .. تذكي بذور الحقد .. وتثور الوجدانات ( الذاوية) من غفوة الاسترخاء ( التخديرية) التي حقنت اوردة الناس.
وإذا كانت قصيدة الزبيري (الخروج من السجن) هي بداية الانعطاف نحو الوطن فان قصائد المجاهرة الجريئة .. والشجاعة في وجه الحكام الخونة هي قمة الوطنية لدى (سبيت) . (فالأديب : يقاتل بالكلمة).. كما كتب المناضل ( هو شيء منه) فإن الكلمة العامية أصدق في القتال، وميدانها أوسع الميادين وخاصة إذا ماتسلح بها المناضلون الحقيقيون) (42) او كما قال مؤسس الحزب الاشتراكي اليمني عبد الفتاح اسماعيل: ( ستظل الكلمة مجزأة الحرف ركيكة المعنى إذا لم تكن من أجل الشعب ) «43» وعلى ضوء مقولتي المناضلين الفذين السياسيين الحاذقين ( هو شيء منه) و(عبدالفتاح اسماعيل) فسبيت مناضل شجاع أتخذ الشعر سلاحاً- ضد السلاطين والمستعمرين ومن لف لفهم في عهد خرست فيه الألسن .. وبيعت فيه الذمم .. ومات الشرف « والضمير»:

ياليل هل لك من صباح يرتجى
أم سوف نحيا في ليالي النائي
ياليل قل للحاكمين بأننا
نحيا حياة الجهل والأدواء
والفقر أودع في النفوس حزازة
وضغائنا أمضى من الضراء
إنا نطالب بالحقوق وإنها
أقوى من الارهاب والإغراء
أفكل من رام الحقيقة مفسد؟
كلا. ولا من رامها بمنائي
أين الدوائر والنظام وأين من
عيني صولة مجلس الوزراء
أين القضاء الحر في أحكامه؟
امسى ضحية ثورة الاهواء؟
أين التساوي في الحقوق وانه
منهاج ملة أرحم الرحماء  44

إن الشاعر في هذه الصرخة الوطنية يستثير تساؤلات انكارية .. تضمر في باطنها الثورة على الاوضاع الفاسدة .. التي وصلت بالشعب الى مهاوى الجهل والفقر الشنيعين .. ثم انظر الى السخرية الحادة والتهكم الصارخ في قوله:
أين الدوائر والنظام وأين من
عيني صولة مجلس الوزراء؟
إنها مجاهرة شجاعة يحمل فيها الشاعر رأسه على كفه ومهاجمة سياسية .. لمجلس الوزراء التابع لحكومة الاتحاد الفيدرالي المزيف.. وهنا يكمن وعي الشاعر لحريته .. إذ ادرك ان هذا المجلس لعبة ولن يكون بديلاً عن الاستقلال.
لقد اتخذ شعر (عبدالله هادي سبيت) رؤية جديدة، في ظل مناخ كابوسي مريع، يطوق رقاب الناس ويكبح لجام الحرية في الممارسة اليومية، بشتى ادوات العسف الجائرة .. ولم يقتصر شعره على مخاطبة الحكام .. لمناشدتهم بالاصلاح، بل أن معظمه خاطب فيه - محرضاً- الشعب، للثورة على سارقي قوته، وساجني ارادته .. في قماقم الدياجير الرهيبة:

ياقوم ماهذا التنافر بينكم
إن التنافر يسحق المجهودا
ياقوم ماهذي القطيعة والجفا
ويد الليوث تهيئ الأخدودا
إني أرى ناب الزمان ببأسها
هبت تمزق كتلة وحدوداً
اني ارى لفح الجحيم تاججت
                     فغدت تذيب الصلب والجلمودا
اني ارى صرح الكرامة  قد هوى
                      وأرى العزيز على الهوان مقيدا
اني ارى مالا ترون فحاذروا
                        مني خيالاً منذراً وشهيداً45

في هذه الأبيات تتجلى الرؤية الثورية في انصع صورة .. تاركة السطح العائم .. وسابرة غور الواقع .. مستشفة من بطنه أياماً آتيات .. حبلى بالمآسي .. والآلام .. إذ لم يخلق ( بديل) لما صار اليه هذا الواقع .. وإذلال تحت قبضتي العتاة من سلاطين ومستعمرين.
وفي نداءات الشاعر دعوة جهيرة .. تتوخى توحيد الرأي والفعل، وفتح عيون الشعب على مايجري وراء الكواليس من تآمر خطير يدبره الاستعمار وأزلامه .. من العملاء وبايعي الضمير هادفين منه تفتيت وحدة الشعب الوطنية ، وغرس بذور التفرقة القبلية .. والمناطقية.
وفي قصيدته (بني الاوطان) نراه يجاهرهم بانفعال شديد اللهجة والمعنى .. ويحرضهم على التمرد والثورة على هذه الحياة المهينة .
بني وطني أرى الأيام تطوي
حمانا والجميع رهين رمس
وبتنا كالغنائم بين جهل
وأدواء وقد فقد المؤسي
كفانا ذلة وكفى الليالي
بان قد حكمت فغضت بعكس
فمن رام الحياة سعى اليها
على جسر المنية لا الدمقس
وياوطني الحبيب كفاك إني
نفثت من اليراعة ذوب نفسي46

في هذه الصرخة المدوية، دلالات عميقة .. لرؤية الشاعر بدور الجماهير الشعبية .. صانعة القرار ورفض لكافة عوامل الانكسار .. والتخاذل أمام المحتلين الطغاة .. ودعوة صريحة لمواجهتهم والثورة عليهم..

إنا سئمنا من حياة
كل مافيها أليم
جهل وفقر مدقع
والداء بينهما مقيم
والغل ينخر عظمنا
والحقد والبغض الذميم47

«الشعر رسم بالكلمات».. إذا ما صدق هذا القول فان شاعرنا وظف شعره توظيفاً اجتماعياً .. في تمزيق الغشاوة عن عيون الفقراء من العمال والكادحين حتى تتمكن من الرؤية العميقة للواقع الاجتماعي .. وادراك تناقضاته .. ومفاسده ثم تنظيم الصفوف لتغييره.
إنها مجاهرة للشعب وبحياته ومواجهة المرء لنفسه بفرض الاستفزاز الباعث للحياة الأفضل ويقول:

حتى متى ياقومنا
نحيا حياة الخاملين؟
البرق يضحك من تخا
ذلنا على مر السنين
والسحب تندبنا وتركب
قومنا الدمع السخين
والرعد يخطب كي يثير
العزم في أهل اليقين
والشمس تكشف سرنا
بين الملأ في كل حين48

في الأبيات السالفة، استخدم الشاعر اسلوب التوبيخ ( البرق يضحك من التخاذل) و( السحب تندب) و(الرعد يخطب) و( الشمس تكشف السر) بقصد إثارة الحماسة في نفوس أبناء وطنه .. وهو لا يوظف توبيخه بغرض التحقير ، بل بقصد الايقاظ واثارة الهمم.
لقد سخر ( سبيت) شعره كسلاح لتمزيق الغشاوة عن عيون الشعب .. وتبصيرهم، بمسارب الرؤية الثاقبة، بما يمور به واقعهم من ركام التخلف المزري، وما آل اليه حالهم على ايدي الجلاوزة من بؤس وحياة إملاق، يرثى لها .. والى ضرورة وجوب الثورة على صانعيها .. وتكسير حلقات سلاسلها العتيقة الأليمة:

حتى متى نرضى بالهوان ونحسى
كأس المذلة من أثيم جاني
ماضاع حق طالبوه قد امتطوا
ظهر الخطوب بمهمة وتفاني
طعم المنية نحو تحقيق المنى
كالشهد بل كحلاوة الايمان
لاتخدعنكم الوعود فإنما
هي كالسراب .. خديعة الظمآن49

الشاعر هنا يعرض لمفهوم الحرية .. مفصحاً عن أنها ليست رهن اجتماع او اتفاق في الكواليس .. بين الاستعمار وحكومة الاتحاد المزيفة .. وإنما هي عروس مهرها الدم .. ولمن يرومون الوصول الى مبتغاها .. عليهم ان يتسلحوا بالايمان( المبادئ) لتعميدها..
لا اغالي إذا ماقلت: انني مهما كتبت عن وطنية الشاعر الشعبي (عبدالله هادي سبيت) وعن مواقفه الثورية .. والشجاعة .. تلك الوطنية .. وتلك المواقف التي تكتنفها قصائده .. واغانيه لا استطيع ان اوفيه حقه ، فلقد قدم الكثير .. والكثير .. في سبيل ازالة ليل الظلم ، يتجلى ذلك من خلال توظيفه الشعر .. توظيفاً سياسياً ... واجتماعياً لا توظيفاً شخصياً من اجل الكسب والثراء او الجاه.
ولعل مايؤكد ماذهبت اليه سلفاً ماجاء على لسان الشاعر البارز محمد الفتيح إذ يقول:«الشعر العامي مثل ويمثل غرة لنضالنا في سبيل التغيير والاستهانة بدوره يعتبر نيلاً من شرف نضالنا وان تراث (القردعي وسبيت وسحلول) لأعلى الف مرة ومرة من تراث انصار أعذب الشعر أكذبه .. فالشعر العامي دك ويدك الآن معاقل التخلف وجدران الدياجي شوقاً الى الصبح والى الضحى»:50

ويقول الفتيح: قصيدة شعر .. يمدح بها الشاعر الشعبي (سبيت) ليس للمجاملة ولكن تقديراً وعرفاناً منه للدور الوطني الذي لعبه سبيت من خلال انتاجاته الأدبية - الشعر:

«عبدالله هادي سبيت النهر
وحنا الروافد
كم زان وعاده
صبي جيد الزمن بالفرايد
وعاش معطي ولا يأخذ
سوى ذكر خالد».

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش