إصدارات اتصل بنا الرئيسية الأخبار

دليل الأعضاء

مجلة الحكمة
  » الشاعر عبد العزيز المقالح في اتحاد الأدباء   »  ندوة عن "الشاعر والنقابي أحمد قاسم دماج"  »  اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين يدين العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين  »  مهرجان ابن خلدون في صنعاء في نهاية يوليو الجاري  »  الغناء الصوفي في فرع عدن

الرئيسية

الأخبار

اتصل بنا

دليل الأعضاء

إصدارات

مجلة الحكمة

إبداعات

مقابلات

دراسات

 

 

 

الوحدة في افتتاحيات (الحكمة)

(1971-1990)

د. مسعود عمشوش

في 27 أكتوبر من عام 1970 استطاع الأدباء والكتاب اليمنيون من صنعاء وحضرموت وعدن وذمار والحديدة وإب والمدن اليمنية الأخرى، أن يحققوا، بتأسيس اتحادهم، أولى الخطوات الوحدوية المبكرة التي كسرت قاعدة التشطير التي استمرت في بلادنا إلى 21 مايو 1990، والتي أكدت في الوقت نفسه على أزلية الوحدة اليمنية: أرضا وشعبا. وبهذه الخطوة استطاع الأدباء والكتاب اليمانيون أن يجسدوا في الواقع دورهم  بصفتهم طليعة ً للشعب اليمني. وكان من الطبيعي أن تتناغم نشاطات الاتحاد في تلك الفترة مع طبيعته الإبداعية والظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بنشأته. وكان لابد أن يهتم الأدباء والكتاب اليمنيون بالقضايا المصيرية لشعبهم ووضعها حتى قبل همومهم الإبداعية. وأولى تلك القضايا: الوحدة اليمنية التي نالت مساحة كبيرة في الكتابات الإبداعية للأدباء والكتاب اليمنيين وكذلك في افتتاحيات مجلة "الحكمة" التي أصدرها الاتحاد  في 15 إبريل 1971، أي بعد أقل من ستة شهور من تأسيسه.

وإذا كانت (الحكمة) قد دأبت خلال السنوات العشرين التي سبقت 22 مايو 90  في نشر النصوص الإبداعية والدراسات والبحوث والمقالات التي تؤكد وحدة اليمن أرضا وشعبا، وتدعو إلى اتخاذ خطوات فعلية باتجاه إعادة تحقيق وحدته السياسية، فهي، منذ العدد الأول وحتى العدد 222 الذي صدر في إبريل 1990، لم تتردد - في افتتاحياتها التي كتب معظمها رئيس التحرير عمر الجاوي - في حث السلطتين القائمتين في شطري اليمن على ضرورة الإسراع في إعادة توحيد اليمن سياسيا، ورفدهما بالمشاريع والمقترحات التي يمكن أن تساعد على ذلك، ومراقبة أدائهما، والتنديد بمختلف ممارساتهما التشطيرية. وقد ظلت (الحكمة) تذكـّر أن الوحدة اليمنية هي القضية المحورية، التي ينبغي أن تحتل مكان الصدارة في مختلف نشاطات الأدباء والكتاب اليمنيين.

وانسجاما مع الطبيعة السياسية لهذه القضية المصيرية كان لابد أن يؤكد رئيس تحرير (الحكمة) - في افتتاحية العدد الثاني- على أهمية الدور النضالي السياسي للأدباء والكتاب، قائلا "إن هذا العصر يتطلب مزيدا من التخصص في كل مجال، فقد انتهجت الجهات المسئولة عن المجلة نهجا يتفق وروح العصر في اليمن بالذات، وأخرجت المجلة معبرة عن رأي مجموع الكتاب والأدباء مواكبة تفكير ومزاج  وروح غالبيتهم التي لا تخرج في أغلب الأحيان عن الشعر بقسميه والقصة والتاريخ والنقد وغيره من مجالات الكتابة المعروفة. وعلى أن هذا لا يعني مطلقا أن أدباءنا وكتابنا لا يمارسون السياسة ولا يصارعون مع شعبهم. فهم على العكس كانوا وما زالوا الطلائع الأولى لشعبهم في نضاله المجيد من أجل القضاء على الاستعمار والإمامة، ومن أجل المضي في طريق الثورة والتقدم... وأدباؤنا وشعراؤنا يحملون اليراع والبندقية من أجل قضية اليمن ووحدته وتقدمه وازدهاره". وقد دعت هيئة تحرير (الحكمة) - في افتتاحية العدد 123- جميع الأدباء والكتاب إلى التركيز في كتاباتهم وفي مختلف المحافل الرسمية ولاسيما خلال لقاءاتهم برئيسي شطري اليمن على قضية الوحدة.

وقد كتب سكرتير تحرير (الحكمة) في افتتاحية العدد الثالث والستين: "إن قضية الوحدة اليمنية ستظل قضية قضايا شعبنا الذي أدرك ما لوحدته من أهمية في تعزيز قدراته وامتلاك مقومات نهوضه وتقدمه، تماما كما أدرك أن أعداءه على مدى سنين ومراحل ماضيه الدامية كانوا يدركون خطر وحدته على مصالحهم واستمرار وجودهم وتمرير مخططاتهم.. ولذلك فإن استمرارية النضال في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم لشعبنا اليمني الواحد يأخذ مكان الصدارة".

وقد سعت هيئة تحرير (الحكمة) في عدد من الافتتاحيات إلى تبيان أسباب أهمية الوحدة اليمنية والتي تجعل منها "قضية القضايا". ففي افتتاحية العدد الثالث عشر، مثلا، يكتب رئيس التحرير: "الوحدة بالنسبة لنا نشيد الأنشاد، وعودة للروح ومنار يهدي هذا الرتل المتتابع من الأجيال إلى طريق السلام والخير.. إن إصرارنا على الوحدة ليس حلما رومانتيكيا جذابا ولا اجترارا طوباويا للسعادة وإعادة الحضارة، وإنما عملا خلاقا من أجل البناء والتشييد- نحن الذين لا نملك غير الجهد المضني إن أردنا أن نسهم مع العالم الحديث في بناء صرح التقدم. وكما حمل أجدادنا الحجارة حجرا حجرا وسقوا الجبال ترابا وعرقا ليبنوا المدرجات وليغرسوا أشجار البن وتعهدوها كم يتعهدون أطفالهم سنحمل نحن أيضا حجارو بناء وحدة أرضنا حجرا حجرا ... وسنظل نبنيها وكل مقوماتها ما دمنا لا نملك سوى الجهد المضني والعمل المثابر والإصرار".

وتبيّن افتتاحيات (الحكمة) أهمية الوحدة بصفتها سلاحا بيد الشعب وحركته الوطنية. ففي افتتاحية العدد (75-77) يؤكد سكرتير التحرير "أن أمام الحركة الوطنية وقيادتها السياسية خيارا واحدا لا ثاني له: وهو النضال الدءوب من أجل أن تنصب كل الإمكانيات والقدرات التي يختزنها الشعب اليمني في اتجاه إعادة تحقيق الوحدة المنية والذود عن السيادة الوطنية وإعادة توحيد التراب اليمني، كل التراب اليمني، ذلك أن الوحدة اليمنية هي الضمان الأقوى لتمكين الحركة الوطنية من امتلاك خامات الفعل والحسم ثباتا وصمودا".

وفي مطلع افتتاحية العدد (101) يبيـّن رئيس التحرير العلاقة الوثقى بين قضية الوحدة وبين تاريخ الحركة الوطنية اليمنية ونضالها ضد الإمامة والاستعمار والقضاء عليهما، ويذكر أن "كل مسار الحركة الوطنية اليمنية الحديثة يرتبط مباشرة بمسألة إعادة توحيد الوطن، إنها في التقدير الأخير قد أسهمت حقا وعملا في إنهاء مرحلة من النضال ضد الحكم الاستعماري الإمامي، وكانت سمة مهمة في جنوب الوطن لتعريف وتحديد هوية المناوئين للاستعمار والسلاطين. وقد انتفضت عدن ضد الحكم الذاتي قاطعت انتخابات المجلس التشريعي تحت شعار يمنية المنطقة ووحدتها. وانتصبت الوحدة اليمنية سلاحا جبارا في يد الجماهير على نطاق المطالب اليومية في مستعمرة عدن وقادت الحركة النقابية والوطنية رغم الخيانات المتكررة من قبل القيادات الانتهازية التي سقطت تاريخيا. فكل شعبنا يعرف حق المعرفة إن إفشال مشروع الاتحاد الفيدرالي (للجنوب العربي) لم يكن ممكنا إلا بواسطة الجماهير الوحدوية التي سجلت يوم 24 سبتمبر من عام 1962، يوم الانتفاضة على المجلس التشريعي في عدن... إن تجربة عظيمة خاضها شعبنا لا تحتاج إلى تبيان وإنما إلى دراسة لوقائع عصر الثورة اليمنية التي تجاوزت بفعل وحدة النضال الوجود الاستعماري الإمامي وكل الكيانات الهزيلة. ولانبسط الوضع هنا للتاريخ فهذا له مجال آخر. إن الوضع يتعلق هنا بدور الوحدة في هزيمة الأعداء الأشداء". لهذا يرى رئيس التحرير "أن منطق العصر الحديث والإيمان بحق الشعب في التقدم والازدهار يقتضي إعادة الوحدة ما دامت الظروف ملائمة وما دمنا نؤمن أن شعبنا موحدا يمكن أن يقدم المزيد على طريق الحضارة".

ومن جهة أخرى، بيّنت افتتاحيات (الحكمة) الصعوبات والعراقيل التي ينبغي على الأدباء والكتاب التصدي لها في نضالهم من أجل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية. وقد كتب الجاوي في افتتاحية العدد الحادي والستين "ليس هناك بد من الاعتراف أيضا أن طريق الاستقرار متعرج وشاق وملئ بالأشواك الظاهرة والمستترة... ولن يتم اجتيازه إلا بزيادة الإنتاج وتوسيع الثقافة الحديثة والارتباط بتربة الوطن والعمل على تحقيق طموح اليمنيين في وحدة كل التراب اليمني من أجل تقدم البلاد وازدهارها". وفي افتتاحية العدد (86) يقول رئيس تحرير(الحكمة) "لأن حركة التحرير معنا، لابد من أن نمضي إلى الأمام في حياتنا النضالية المتعددة المناحي، بما في ذلك الكتابة على صفحات الحكمة وغيرها من مطبوعاتنا اليمنية، لأن طريقنا من أجل الوحدة اليمنية والديمقراطية والتقدم يحتاج إلى صراع مرير مع أعداء شعبنا". وفي افتتاحية عدد يناير من عام 1988 يخاطب أعضاء هيئة تحرير (الحكمة) "أولئك النفر الذين دافعوا عن الجمهورية وفكوا حصار صنعاء "ماذا نقول لكم؟ نحن محاصرون اليوم بالانفصال والتمزق، بعد أن أثمرت جهودكم في زرع أمل جديد للتقدم،... لكم نقول وبعد عشرين عاما من مأثرة السبعين يوما ... لا بد من الشروع الجدي في إنجاز مأثرتنا القادمة: الوحدة أو الموت".

 

كيف تعاملت افتتاحيات الحكمة مع موقف السلطتين الحاكمتين في شطري اليمن قبل 22 مايو تجاه قضية الوحدة؟

لقد سعت افتتاحيات (الحكمة) إلى التعبير الصادق عن آراء الأدباء والكتاب اليمنيين ومواقفهم تجاه مختلف ما يجري في الساحات الوطنية والقومية والعالمية. و(الحكمة) التي حرصت - كما ذكرنا- على مراقبة كل ما تقدم عليه السلطتين في شطري اليمن من خطوات إيجابية أو سلبية تتعلق بقضية الوحدة، لم تتردد في الإشادة ببعض الخطوات التي اتخذها هذا النظام أو ذاك أو النظامان معا خلال عقد السبعينات. ففي افتتاحية العدد 56 (يناير 1977) مثلا، أشادت هيئة التحرير باعتماد الحكومتين في الجنوب والشمال لمبدأ العمل بالخطط الخمسية. وجاء في هذه الافتتاحية: "إن ما نراه اليوم في بلادنا من حماس فياض في الاستمرار في إنجاز الخطة الخمسية في عدن، والعمل الدءوب لوضع خطة خمسية في صنعاء يجعلنا أكثر يقينا في أن التراكم يتحرك في اتجاه التحول بدفع الجماهير، وأن هذا الارتباط الحميم بين الذي يجري في بلادنا إنما يشكل أملا "فيتناميا"  في وحدة وطننا اليمني التي بدونها ستجابه الخطط والمشاريع بكثير من العراقيل والعقبات. هذا التفاؤل ليس لتطمين الجماهير، ولا يمكن أن يكون عملية خداع، فالحق نقول إنه منذ هذا العام يجب أن ترفع الحدود المفروضة على شعبنا والتي تمنعه من حقه في الوحدة وبناء أسس جديدة للمستقبل وهذا ما نتوقعه". وفي افتتاحية العدد 58 (مارس 1977) التي تحمل اسم (لقاء قعطبة) أشاد رئيس التحرير كذلك بالخطوات التي أقدم عليها الرئيسان سالم ربيع علي و إبراهيم الحمدي وأهمها تشكيل مجلس أعلى يضم الرئيسين اليمنيين وبعض الوزراء ويجتمع كل ستة أشهر في إحدى العاصمتين بالتناوب".

أما في افتتاحية العدد (63)  (أغسطس 1977) فقد حيّا سكرتير (الحكمة) القرشي عبد الرحيم سلام اللقاء الذي تـمّ بين سالم ربيع علي رئيس مجلس الرئاسة الجنوبي وبين المقدم إبراهيم الحمدي رئيس مجلس القيادة الشمالي في صنعاء، قائلا: (إن أصدق وأعمق تأكيد على أهمية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، باعتبارها أهم شروط بناء اليمن الجديد، وتحقيق تقدمه وازدهاره.. إن أصدق وأعمق تأكيد ذلك الذي جاء على لسان الأخ سالم ربيع علي، الأمين العام المساعد ورئيس مجلس الرئاسة، خلال لقائه مع أخيه المقدم إبراهيم الحمدي، رئيس مجلس القيادة والقائد العام للقوات المسلحة في صنعاء بين الثاني عشر والخامس عشر من أغسطس الجاري حين قال: "إننا نرى أن الاتصالات بين الأشقاء كانت ولا تزال لها أهميتها الحيوية للتنسيق بين الأخوة وإيجاد المقدمات لإعادة توحيد الوطن على أسس متينة وراسخة، هذه الوحدة التي ستوجد الرخاء والتقدم للشعب اليمني". إنّ قضية الوحدة اليمنية ستظل قضية قضايا شعبنا الذي أدرك ما لوحدته من أهمية في تعزيز قدراته وامتلاك مقومات نهوضه وتقدمه).

وفي افتتاحية العدد 87 (يونيو/يوليو 1980) يشيد عمر الجاوي، رئيس التحرير بالخطوات التي اتخذها الرئيس علي عبد الله صالح في سبيل وضع أسس للديمقراطية في اليمن، حيث قال: "لقد أثبتت السلطة بقيادة الأخ علي عبد الله صالح أنها وحسب ظروفها تعالج بجرأة مسألة إزاحة مخلفات الضغط والدكتاتورية على المواطنين بتغيير بعض كوادر السلطة والأجهزة التشريعية التي ظلت ردحا من الزمان في نفس المناصب تمارس السلطة بنفس الأساليب والطرق، وأقدمت على شق طرق للحوار مع بعض القوى الوطنية واختارت لجنة للحوار من عناصر بعضها مشهور بنضاله من أجل الديمقراطية وازدهار حركة التقدم على طريق وحدة الوطن".

أما في مطلع عقد الثمانينيات، وبعد مضي عشرين عاما على قيام ثورة 26 سبتمبر وقيام الجمهورية، وتحت وطأة الشعور بتعثر مسار الوحدة اليمنية، فقد أخذت افتتاحيات (الحكمة) تقيـّم بنبرة مختلفة وناقدة ما تم إنجازه فعلا  في سبيل تحقيق الوحدة اليمنية، وبيّنت أن الشعارات الوحدوية - مثل "إعادة الوحدة قضية في الصدارة من عملنا الوطني، لا بد من إزالة المخلفات التي تعترض طرق التنفيذ، سنناضل من أجل حرية التنقل داخل الوطن، هذا عام الوحدة"- باتت تتطور والتشطير باق. ولاحظ رئيس التحرير في افتتاحية العدد (90) أن تلك الشعارات لم تمنع بروز تقهقر في المسار الرسمي نحو الوحدة. ويرى أن "نظرة إلى الشعارات التي وضعت للعقد الماضي بأكمله تقنعنا أنها صالحة لعقود قادمة، ما دامت الأوضاع قائمة كما هي فيما يخص الوحدة، وتزداد العراقيل عن طريق وجهات النظر والإجراءات. والذين يمارسون عمل الوحدة يشعرون كل يوم أن هناك تراجع فعليا في التنظير للقضية التي تخلفت حتى عن بيان طرابلس الشهير".

كما عبرت افتتاحيات مجلة (الحكمة) عن عدم رضا الشعب اليمني عن طريقة تعامل الأطر اليمنية الحكومية والحزبية مع قضية الوحدة اليمنية التي كادت تصبح مجرد شعار، وطالبت في الوقت نفسه بإيجاد آليات جديدة كفيلة بتسريع إعادة توحيد اليمن واتخاذ خطوات عملية ملموسة من اجل ذلك. ففي افتتاحية العدد (96) (العام العشرون) كتب رئيس التحرير "لا يجب أن تنسينا أعياد العشرين عاما أن ثمة قضية ملحة تدعو الجميع من الشرفاء والمناضلين إلى أن يجعلوا من هذا العام ليس فقط عام الوحدة الوطنية وإيقاف كل أنواع الاعتداءات على جماهير شعبنا، وإنما أيضا عام النضال الجاد من توحيد الوطن.. إن هذا العام بأكمله يجب أن يكون تمهيدا لصيغ جديدة على نطاق الوحدة الوطنية، على نطاق التراب والجماهير. ولا نملك نحن في اليمن القدرة على تصور احتفال بالذكرى العشرين دون خطوات جادة على طريق الوحدة".

وفي افتتاحية العدد (110 مارس 1984) يقرن عمر الجاوي تلكؤ السلطتين اليمنيتين في اتخاذ خطوات ملموسة نحو الوحدة ببعض الإجراءات التعسفية التي تحد من حرية التعبير، فهو يكتب "إن مشروع الوحدة اليمنية قد دُفع في أفواه السلطات "كاللبانة" تلوكها منذ عام 1972، وأن المطالبات السريعة بالحريات تؤدي إلى السجون، وفي الحالات المرنة الباردة لا يُسمح بقراءة الديوان إلا من قبل صاحبة".

ومن ناحية أخرى، لا شك أن إقدام عمر الجاوي وعبد الرحمن عبد الله على تأسيس حزب التجمع الوحدوي في سنة 1989 قد جعل تلك "النبرة الانتقادية" لافتتاحيات (الحكمة) التي كتبها عمر الجاوي وعبد الرحمن عبد الله قبيل الوحدة أكثر وضوحا وذلك على الرغم من الارتفاع الواضح في إيقاع الخطوات العملية التي كانت تتخذ من قبل السلطتين. مثلا، بعد توقيع (اتفاق تسهيل حركة تنقل المواطنين بين الشطرين) في عام 1988، وهو منجزٌ ناضل اتحاد الأدباء ومجلة الحكمة باستمرار من أجل تحقيقه، كتب عبد الرحمن عبد الله إبراهيم في افتتاحية العدد 161 (يونيو 1989) "عجيب وغريب أمر هذا اليوم من يوليو! فبقدر مصدر فرحة للغالبية العظمى من جماهير شعبنا التواقة للوحدة والحرية والتي رأت فيها بارقة أمل للتواصل الوحدوي وخطوة عملية لإلتقاء اليمنيين بقدر أقل من القيود والتعقيدات الإدارية - من ضمانات واستجوابات.. الخ-، هذا اليوم صار مصدرا لقيود جديدة وتعقيدات أشد من السابق، وتمكن دهانقة الانفصال من الالتفاف عليه وإفراغه من محتواه. ولم يشأ الأخوان د. ياسين سعيد نعمان وعبد العزيز عبد الغني رئيسا مجلسي الوزراء في الشطرين أن يدغدغا عواطف شعبنا اليمني بأحلام وردية أو يقيدا نفسيهما بوعود لا يستطيعان أو لا تمكنهما الظروف الحالية من الإيفاء بها. ولهذا وقعا: اتفاق بشأن تسهيل تنقل المواطنين بين الشطرين. وبواقعية مريرة سميا الأشياء بمسمياتها (اتفاق تسهيل)...."

وفي افتتاحية العدد (138) (وبعد يا أصحاب القرار) يتهم الجاوي صراحة السلطتين في الشطرين بالعمل على تكريس الانفصال حيث يكتب: "منذ عام 1972 والحوار الرسمي على مستوى السلطتين يأخذ مداه لترسيخ كيانين لأن الزمن أيضا يفعل فعله بمعزل عن النيات الطيبة..... كل التهم واردة، ويشجع الانفصاليون استمرارها ويعملون من أجل أن يطول مداها ما دام جوهر التقسيم قائم، وما دمنا متفرجين نتهم من أعلى. وأين الوحدة؟ نعم.. السلطة صاحبة القرار.. ومن تجاربنا لسنين طويلة اتضح بأنها صاحبة القرار في إبقاء التمزق والانفصال وليس العكس.. ذلك لأنه وبعد إنهاء العمل في مشروع الدستور وإعلانه وحسب الاتفاقات الرسمية كان المفروض أن يكون عام 1982 عام الوحدة، وبعد أن فشلت المشاريع الوحدوية مرتين بين حربي 1972 1979، ولا يجوز الحديث عن ثالثة الأثافي. لقد بزت عوامل الانفصال من الناحية الرسمية عوامل التوحيد".

وكانت افتتاحية العدد ( 139)  (يونيو 1987: قبل دخول الكونفرنس) هي نص المذكرة/الرسالة التي وجهها عمر الجاوي وعبد الرحمن عبد الله إبراهيم إلى أمين عام وأعضاء المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني في مايو 1987، وتحتوي تحليلا للوضع في اليمن من وجهة نظرهما وانتقدا فيه كثيرا من "الأخطاء النظرية والعملية" والإجراءات التي أقدمت عليها السلطات المتتالية في الجنوب مثل قانون الإصلاح الزراعي  وعددا من "المشاريع على طريق الوحدة" وذكران فيها أن سكرتير الدائرة الأيديولوجية في الحزب ووزير الوحدة هما أعضاء في المجلس التنفيذي لاتحاد الأدباء". وأشارت هذه المذكرة إلى أن الفترة الماضية قد شهدت "الإهمال الكامل للإجراءات الوحدوية التي نصت عليها اتفاقية الوحدة وعمل اللجان وحتى قرارات المجلس اليمني الأعلى، وأصبحت الآمال العظيمة مجرد تكتيك يستخدم لسد فوهات المدافع حين تشتد الأزمات المفتعلة من قبل الرجعية العربية والامبريالية العالمية بين شطري اليمن. وألغيت عمليا أهم وثيقة يمنية: مشروع دستور الوحدة".

وأخيرا ينبغي أن نذكـّر أن افتتاحيات (الحكمة) قد تحولت في بعض الأحيان إلى مقدمات تمهيدية للمشاريع والمقترحات الوحدوية التي قدمها (أو أسهم في إعدادها) اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وحرصت مجلة (الحكمة) على نشرها في صفحاتها. فالعدد السابع عشر (17 يناير 1973) مثلا احتوى عددا من الوثائق الخاصة بالوحدة اليمنية كـ(البيان الختامي الصادر عن مؤتمر القمة ضم الرئيس سالم ربيع علي وعبد الرحمن الإرياني - طرابلس ليبيا، أكتوبر 1972 والبيان المشترك لرئيسي الوزراء اليمنيين). وفي العدد (90) نشرت (الحكمة) "مشروع تمهيدي للوحدة كان قد وُضِع قبل ثمان سنوات مع تعديلات تأخذ بعين الاعتبار العظيمة النظرية والعملية التي قُدِّمت خلال العقد الماضي". أما (مشروع دستور الجمهورية اليمنية) أو (دستور الوحدة) فقد نشرته (الحكمة) في عددها الثاني والثلاثين بعد المئة.

وبسبب ذلك كله يمكننا الاعتزاز بالدور النضالي والريادي المتميّز الذي قامت به مجلة (الحكمة) في سبيل الإبقاء على قضية الوحدة اليمنية دائما وأبداً في الصدارة. ولا شك أن المواقف الشجاعة والصلبة التي عبرت عنها افتتاحيات (الحكمة)، والتي هي مواقف أحمد الوريث ومحمد محمود الزبيري وعمر الجاوي وجميع الأدباء والكتاب اليمنيين، قد أسهمت في الإعداد للمأثرة التي صنعها الشعب اليمني في الثاني والعشرين من مايو من عام 1990.

 

المقالح في الاتحاد

ليلى الهان

الثقافة تكرم الحضراني

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين              تصميم مسعود عمشوش