|
مسيرة
اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
(من أوراق العمل المقدمة للمؤتمر العام
التاسع لاتحاد الأدباء والكتاب – مايو 2005)
محمد بن ناصر العولقي
بتحقيق الوحدة اليمنية في صبيحة
الثاني والعشرين من شهر مايو عام تسعين وتسعمائة وألف ميلادية اكتملت حلقات
سلسلة طويلة من السعي الملح لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في سبيل إنجاز ذلك
الحلم الوحدوي الذي بقي يراوده منذ تأسيسه عام 1970م .
وقد بدا واضحاً للعيان عند كل من
كان على مقربة من أدبيات الاتحاد، وخطابه خلال الفترة الفاصلة بين تأسيس
الاتحاد، وتحقيق الوحدة اليمنية، أن هذا الاتحاد الذي كان يضع تحقيق الوحدة في
صدارة أهدافه, ونشاطه, وخطابه قد أصبح منذ اللحظات الأولى لقيام دولة الوحدة
مطالباً بشعار جديد، وخطاب جديد، ونشاط ذي أولويات مغايرة لأوليات ماقبل
الوحدة، فإذا كان الظرف الوطني قد سوغ للاتحاد أثناء فترة التشطير تغليب
السياسي على الثقافي في نشاطه، وتركيز الاهتمام على قضية الوحدة بوصفها حيثية
سياسية أكثر مما هي هاجس فكري, ثقافي, فإن حدث إنجازها بقدر ماكان في شكل من
أشكالها انتصاراً لنشاط الاتحاد، وخطابه فإنه كان أيضاً مؤشراً يحيل الى
أولويات مغايرة يجب أن يتجه إليها نشاط الاتحاد، وخطابه بعد أن صارت الأولويات
السابقة في متناول اليد، وعنصراً قادراً في معادلة الواقع المادي.
ومن هنا جاء المؤتمر العام
الخامس للاتحاد في الشهور الأولى من تحقيق الوحدة بشعار جديد، وخطاب جديد
للاتحاد بالوحدة والديمقراطية تزدهر الثقافة الوطنية، وهوشعار يوضح هذا الاتجاه
الجديد، والأولويات التي أصبحت تتصدر مفردات النشاط المهني والإبداعي للاتحاد
وتشير الى بدء عدولة السياسي إلى الثقافي والمهني.
ولعلنا في هذه القراءة السريعة
لمسيرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين معنيون بمقاربة تحولات وآفاق هذه
المسيرة, محاولين التركيز- بأقل عدد من الكلمات- على أهم تجليات هذه التحولات
سلباً وإيجاباً في نشاط الاتحاد خلال سنوات هذه الرحلة الممتدة منذ عام تسعين
وتسعمائة وألف ميلادية الى عام خمسة بعد الألفين، ثم ننفذ من هذه المقاربة الى
ملامسة ماينبغي أن تشتمل عليه المسيرة مستقبلاً من مفردات تلائم البنية الخلاقة
للاتحاد بوصفه كائناً حياً طليعياً مكانه دائماً في مقدمة صفوف الساعين الى
الآفاق المخضبة بالنور، وأبجديات الروح والعقل، وعدة الحرية.
ومن حيث كنا قد أشرنا آنفاً, فإن
مبتدأ حديثنا عن التحولات في مسيرة الاتحاد سيكون المفارقة التي حدثت في
الشعارات أو العناوين الرئيسية التي يبني الاتحاد نشاطه وخطابه عليها، فمنذ
المؤتمر العام الخامس للاتحاد الذي انعقد في عدن بعد الوحدة مباشرة تغير شعار
الاتحاد من مضمونه ذي الطابع السياسي أو الوطني العام الى المضمون ذي الطابع
الثقافي المتجه أفقياً الى ملامسة قضايا الحرية والإبداع وحرية الرأي وخلاف ذلك
من القضايا الحاضرة في ذهن المثقف والمبدع قبل غيرها.
إن هذا الشعار «بالوحدة
والديمقراطية تزدهر الثقافة الوطنية» كان إيذاناً بالتحول الذي بدأ يطرأ في
ذهنية الأداء اليومي للاتحاد, فبعد أن كانت الوحدة هي الغاية وفي سبيلها تم
تهميش أولوية الثقافة, تحولت هذه الوحدة التي صارت واقعاً الى وسيلة مضافة
إليها الديمقراطية من أجل غاية جديدة هي ازدهار الثقافة الوطنية, وبدأ انسلاخ
الاتحاد من الحضور السياسي الذي كانت قضية تحقيق الوحدة اليمنية دافعة ومبررة
الى التماس موقع للحضور الثقافي كمؤسسة معنية بالكامل بهذا المهم.. وجاء
المؤتمر العام السادس للاتحاد المنعقد في صنعاء عام 1993م ليكرس هذا التحول،
ويؤكد عليه فرفع شعاراً ثقافياً جديداً يصب في المصب نفسه هو «حرية الإبداع
تأصيل للديمقراطية والتحديث»، وتحت شعار ذاته انعقد كذلك المؤتمر العام السابع
للاتحاد في عام 1997م, والمؤتمر العام الثامن للاتحاد في عام 2001م، بمايدل على
أن التحول قد أصّل لنفسه نظرياً على نحو كامل .
أما التحول الفعلي في النشاط
المتجه من السياسي الى الثقافي فإنه قد بدأ بداية فاقعة, وذلك منذ المؤتمر
العام الخامس الذي ترك اثره زعيم الاتحاد الفقيد عمر الجاوي الأمانة العامة
لأول مرة منذ تأسيس الاتحاد، فكان خروجه بتلك الهالة السياسية التي يمثلها شخصه
في الساحة الوطنية مؤثراً في تلاشي الهم السياسي من واجهة نشاط الاتحاد،
وخطابه، ولكن ذلك لايعني أن الاتحاد قد نجح في استثمار هذه البداية لإحداث حراك
ثقافي يتناسب مع هذا الاتجاه في نشاطه إذ بقى الاتحاد خلال عشر سنوات تقريباً
محتاراً وخائر القوى بسبب الصراعات التي دخلت الى مسام قيادته بين عامي 1990م
و2000م ونستطيع توضيح ذلك من خلال حصيلة النشاط الثقافي في جانب الإصدارات
التي صدرت عن الاتحاد خلال السنوات منذ التأسيس وحتى 5002م, والتي لم تعكس
تحولاً حقيقياً في نشاط الاتحاد سوى في السنوات الخمس الأخيرة,إذتبين الإحصاءات
الآتي :
-
من عام
1970م وحتى عام 1990م أصدر الاتحاد 91عنواناً .
-
-من
عام 1990 م وحتى عام 2000 م أصدر الاتحاد 12 عنواناً .
-
- من
عام 2000م وحتى عام 2005م أصدر الاتحاد 177عنواناً موزعة كمايلي :
-
1-
إصدارات مشتركة 761عنواناً .
-
2-
إصدارات بتمويل كامل 10 عناوين.
وعلى هذا يمكن إحالة التأصيل
الفعلي الملموس للتحول في النشاط الثقافي للاتحاد الى السنوات الخمس الأخيرة،
واعتبارها مرحلة تطبيق حقيقية لذلك التأصيل النظري للتحول الى الثقافي الذي طرأ
على نشاط الاتحاد منذ عام 1990م، وان الشعارات التي رفعتها المؤتمرات الأربعة
الاخيرة للاتحاد قد وجدت ها حيزاً في ارض الواقع في آخر المطاف، ويرافق
التحولات هذه تحول آخر في الجانب الثقافي ايضاً يعزز من صحة الحركة الانتقالية
في نشاط الاتحاد الثقافي او بالاصح من السياسي الى الثقافي إذ بدأ الاتحاد
مؤتمره السابع عام 1997م بإقامة المهرجانات الأدبية الوطنية باسم مهرجان الأدب
اليمني وكانت هذه أول مرة يهتم فيها الاتحاد بمثل هذا الشكل المتقدم من النشاط
الثقافي,وقد انعقد منذ ذلك الحين حتى مهرجاننا هذا أربعة مهرجانات, لاشك أنها
كانت علامة على تحول آخر يضاف الى التحولين الثقافيين السابقين (شعار الاتحاد
وخطابه، والإصدارات).
أما ثاني التحولات التي يمكن
التحدث عنها هنا في مسيرة الاتحاد فهو التحول في نشاطه بالبحث عن موارد مالية
ذاتية تسند استمرارية أدائه الثقافي, وقد كان انتقال مركز قيادة الاتحاد مجالاً
لإمكانية التفكير الاستثماري والاعتماد على الذات لتمويل بعض الأنشطة الثقافية
الملحة, فبدأ التفكير في تأجير مقر الاتحاد في عدن المركز الرئيسي للاتحاد، ثم
تطور لاحقاً الى التنفيذ الفعلي للفكرة, واستطاع الاتحاد من خلال هذا العمل
الحصول على مورد مالي ذاتي إضافة إلى مايحصل عليه من الحكومة دعماً لموازنته
السنوية، ولايهمنا هنا كيفية إدارة هذا الاستثمار, وماهية الأعمال الثقافية أو
المؤسسية التي أنجزها الاتحاد معتمداً على هذا الإيراد المالي, بقدر مايهمنا أن
هذا التفكير في حد ذاته يعد مؤشراً على تحول برز في نشاط الاتحاد وتغيراً في
آلية أدائه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية, وهو في كل الأحول تحول وتغير
إيجابي يحمد عليه الاتحاد قيادة وأعضاء، رغم ما أدى اليه من إبهات, وتهميش شبه
كامل لعدن كمركز رئيسي مايزال النظام الأساسي يشير اليه على الورق دون أي
استدراك من قيادة الاتحاد يؤكده عملياً أو يحاول شطبه إذا كان قادراً قلم
القيادة أن يفعل ذلك .
ومن التحولات في مسيرة الاتحاد،
تحول ثالث موصول ببداية انفكاك الاتحاد عن السياسي، وبالأخص بابتعاد الجاوي أو
إبعاده عن زعامة الاتحاد, إذ بدأ من حينها هاجس القيادة التاريخية للاتحاد يفقد
تدريجياً بريقه أو قداسته في وجدان الأعضاء, وبدأت التحشدات وعمليات التنسيق
الانتخابية في الاتحاد تنحو الى مجاوزة المعتاد، والمألوف الذي يعطي الحيز
الأكبر في قوام القيادة لأسماء ذات دور تاريخي في الاتحاد ريادة وتأسيساً، وقد
استمر هذا التحول يتقدم بشكل تصاعدي الى أن بلغ ذروته في المؤتمر العام الثامن
للاتحاد عام 2001م، الذي الغى أولاً شرط النظام الأساسي للسباق للاتحاد الذي
ينص على عدم أحقية العضو الجديد في الحصول على موقع قيادي (مجلس تنفيذي أوأمانة
عامة) في الاتحاد إلا بعد مرور خمس سنوات على عضويته، كأنه - أي المؤتمر
الثامن- يهدم بهذا آثار مرحلة تحتفي بالريادة والأسبقية، ثم جسد هذا فعلياً
بصعود قيادة جديدة غالبيتها من الشباب ذي العمر الناضر جداً في الاتحاد الى
درجة بدا للآخرين أن ثمة مؤامرة شبابية انقلابية قامت ضدهم، بينما إذا تم النظر
الى الأمر من زاوية رؤية تضع ممهدات هذا التحول في حسبانها، فإن ماحدث سيغدو
اعتيادياً، أوعلى الأقل ليس بذلك القدر من الغرائبية التي أسبغت عليه .
ومن التحولات كذلك مايتصل بالوضع
القانوني للاتحاد في منظومة الدولة، فقد كان الاتحاد يعامل كمؤسسة وطنية
إبداعية لها كيانها المستقل عن أي هيمنة أو تبعية إدارية لأي من الحكومتين في
عهد التشطير واستمر على ذلك حتى منتصف التسعينيات إذ تحول قانونياً الى منظمة
اجتماعية، مهنية ذات نشاط ثقافي ووفقاً لقانون الجمعيات والاتحادات فهو يتبع
وزارة الشئون الاجتماعية شأنه شأن أي جمعية أهلية خيرية, أو منتدى اجتماعي
ثقافي، وهو تحول أثر بدون شك على فاعليته وحضوره الأفقي والرأسي في المجتمع وفي
القرار السياسي والحكومي وأفرز تعقيدات في سياقات التعاطي معه من قبل منظومة
الدولة والمجتمع حتى على مستوى استخلاص الدعم السنوي المقدم له من الحكومة,
ومدى أحقيته القانونية له، ولولا أن الاتحاد يعتمد في هذا الجانب على الإرث
التاريخي، ومكانته الراسخة في الذهنية الوطنية لأدخله تحوله وضعه القانوني هذا
في حيز التجمد والرسوبية.
إن تلك التحولات التي ذكرنا هي
في رأينا أبرز التحولات الرئيسية في مسيرة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
قياساَ الى ثوابت التأسيس أو بالأصح مألوف التأسيس، يعني أن هناك تحولات أخرى
قانونية حدثت في مسيرته يمكن أن يلمسها المرء, ويشعر بأصدائها في هذه المسيرة,
ونظراً لأن هذه التحولات لم تكتسب بعد قيمتها الحضورية في مجرى أداء الاتحاد
كظاهرة مثل غيرها مما سبقت الإشارة اليه آنفاً، فإننا سنكتفي هنا فقط بعرضها
على شكل نقاط تحول على النحو الآتي:
1- اتجاه الاتحاد، وبعض فروعه في
المحافظات الى الاهتمام بالإبداع الغنائي، وإشراك نتاجات المبدعين في هذا الفن
ضمن برامج الفعاليات الثقافية والأدبية وتكريمهم في احتفائيات خاصة لهم.
2- اتجاه الاتحاد وبعض فروعه الى العناية بالأدب والتراث الشعبي توثيقاً ودراسة
وإصدارات.
3- اتجاه الاتحاد الى تنظيم
الورش الأدبية والملتقيات الإبداعية والسعي لدى الجانب الحكومي (وزارة الثقافة
) لإقناعها بإقامة مثل هذه الفعاليات.
4- اتجاه الاتحاد الى توسيع
دائرة تنظيم المهرجانات الموسمية مثل مهرجان البردوني، مهرجان رفيف الماء بعدن.
5- اتجاه الاتحاد إلى الاهتمام
بمجلة الحكمة بمنحها الاستقلالية المالية والادارية ومحاولة تطويرها إلى مؤسسة.
6- اتجاه الاتحاد الى تعزيز
نشاطه الاجتماعي بإخراج وتشكيل صندوق اجتماعي للمبدعين في نطاق الاتحاد.
ولعل هذه كما قلنا يمكن لها أن
تتطور، وتتحول الى فعل راسخ يشكل علاقة تحول فارقة رئيسية أخرى في نشاط وأداء
الاتحاد مستقبلاً .
ثانياً : آفاق المسيرة
إن المتتبع للتحولات في مسيرة
الاتحاد سيستشف أن كثيراً من هذه التحولات قد أتى من دون تخطيط مسبق، وأخذ
يتوطد ويترسخ خلال الأيام بشكل عشوائي أو بقوة دفع ذاتي غير مبرمجة, أو
اعتماداً على حماس وجهود شخصية لمجموعة من القيادات المتجانسة، ولهذا فإنه لكي
تضبط عملية التحول في جانبها الإيجابي خصوصاً, وتتضح الرؤية في المسيرة خلال
المستقبل فإنه من الضروري أن تؤصل هذه التحولات تنظيماً عبر الأنظمة واللوائح
التي ينبغي أن تراعي الحد المعقول من شروط المقبولية والقابلية للتنفيذ مع ترك
هوامش للتحرك في فضاء الحلم حتى لايغلق باب الاجتهاد في وجه من يستطيع من
القيادات ابتكار أحلام قابلة للتنفيذ مستقبلاً, ومن هنا فإني أرى أن تتجه آفاق
مسيرة الاتحاد الى الآتي:
(1)
مضاعفة
تشجيع النشاط الثقافي للاتحاد، وذلك من خلال الخطوات التالية:
(2)
أ-
اعتماد اللامركزية في إدارة النشاط الثقافي عبر استحداث تقسيمٍٍٍٍٍ جديد في
هيكلية الاتحاد تنشأ من خلاله أمانات محلية تتكون كل أمانة من مجموعة من الفروع
مثلاً:
-
عدن-
أبين- لحج أمانة محلية مركزها عدن وتضم رؤساء الفروع+ المسئولين الثقافيين.
- تعز -إب- الحديدة
أمانة محلية مركزها تعز وتضم رؤساء الفروع+ المسئولين الثقافيين.
- زبيد - صنعاء - ذمار
- أمانة العاصمة محلية مركزها صنعاء وتضم رؤساء الفروع + المسؤولين الثقافيين.
-
المكلا-
سيئون أمانة محلية مركزها المكلا وتضم رؤساء الفروع+ المسئولين الثقافيين
وتقوم هذه الأمانات
بإدارة النشاط الثقافي بشقيه الفعاليات الثقافية والإصدارات، وتمنح موازنة
كاملة لهذه الأنشطة.
ب- إقرار خطة سنوية للإصدارات
الصادرة عن الأمانة العامة، وإقرار خطة أخرى لفعالياتها
لثقافية المركزية مع إعطاء حيز
يسمح للأمانة العامة تنفيذ فعاليات أخرى حسب ظروفها.
- توزيع موازنة الاتحاد على
النحو الآتي مثلاً :
-
20٪ حصة
الأمانة العامة.
-10٪ للجانب الاجتماعي.
-30٪ للإصدارات (عبر الأمانات
المحلية).
-30٪ للفعاليات والنفقات
الإدارية للأمانات المحلية.
-10٪ لفروع الاتحاد في المحافظات
بالتساوي.
(2)- إنشاء مطبعة خاصة للاتحاد
تتولى طباعة مجلة الحكمة، وإصدارات الاتحاد، وتقوم بالأعمال التجارية كمصدر دخل
جديد لموازنة الاتحاد.
(3) العناية بالبناء المؤسسي
للاتحاد، وإنشاء المقرات الخاصة بفروع الاتحاد في المحافظات .
(4) تعديل النظام الأساسي
للاتحاد بما يتلاءم مع تلك الآفاق ويحد من التفاوت الصارخ في التعامل مع فروع
الاتحاد أو بلغة أخرى يرسخ جميع الفروع بالتساوي.
|