|
صدام نجيب الشيباني
إن الكائي المرئي في الأرض يتركب من مكونات جزئية صغيرة الحجم
ومتفاوتة، تقرأ من عدة اتجاهات معرفية، تبقى لهذا الكائن
آثاره، إذا استمر فترة ملايين السنين، وتؤكد الحفريات أن
العوالم الطبيعية مارست حياة قبل أن نطأ- نحن الآدميون- الأرض،
وبقيت خالدة بخلود خلايا أجساد تحجرت بفعل الرمال أو المياه في
قيعان المحيطات والبحار، والكائن الحي يجدد حضوره وبقاءه
بالتناسل والحفاظ على العوامل الوراثية في خلاياه، ويظل يكرر
نفسه إلى انقراضه، ويتنفس لتحرك وينتج.. الخ.
تبقى القضية المثلى "الأنسنة" في هذه الأرض، ولا أعني هنا
الاهتمام بمشاكل وقضايا الإنسان بشكل عام كما ما يهتم به
الانثروبولوجيون، لكن آثار هذا الإنسان في عالم الحياة
الطبيعية، والبيولوجيا هنا: هي علم الحياة الذي يشمل العالم
العضوي برمته، وطبيعة هذا العلم تبحث عن عالم الاتصال سواء
بالواقع الآني أو الماضي أو ما ستؤول إليه الحياة المستقبلية،
والعالم البيولوجي يحيط بما يشكل الكائن الإنساني ويحلل تكوين
الأعضاء والأنسجة فيه لأن الإنسان على اختلاف العصور يبقى
أثراً، ولا بد من فهم الأثر والوعي بطرق تفكيره وممارسة حياته
اليومية، وهل ثمة فرق بين الإنسان البدائي، والإنسان الرقمي في
التفكير؟
تبقى الرؤية مطروحة للبرهنة، تقوم على جهود علوم إنسانية مثل
علم النفس الإدراكي وعلم الذكاء الاصطناعي، وعلم الآثار لقراءة
الحوادث التي مر بها هذا الإنسان ومن شفرات النظام الذهني من
خلال أساليب التعبير والكتابة في لغة النقوش مناقشة المحاور
لفكرية التي تبناها في حياته. لكنني لست بصدد تتبع مراحل
الإنسان فقط، بل هناك مشروع الدمج أكثر من علم في قالب ثقافي
واحد. هو كيف أنشئ من البيولوجيا رؤية لقراءة النص الأدبي،
المكون من لغة ومفردات وصوتيات وجمل وتراكيب.
ما هو الإنسان / الكائن بالنسبة للنص الأدبي؟ أيعقل أن يكون
النص الأدبي مولوداً لهذا الكائن؟ أم أن النص هو الكائن نفسه؟
من هذه الفكرة تتعدد الأسئلة، الحقيقة أن الإنسان بطبيعته يبحث
عن البقاء والخلود، بطريقة أو بأخرى، يحاول أن يبقي له أثراً
إذا ما بدأ العد التنازلي لأيامه.قد لا يشعر بهذا لكنه يحاول
أن يبقي نفسه من خلال التناسل البشري أو من خلال أثره وجهوده
الذهنية –كأن يلج إلى عالم الفن، يتشبث به ليضع بصماته باقتدار
حتى لا يضيع دون أثر يذكر.
من وعي أو لا وعي تتحقق معالم حضارية مهمة في حياة الكائن،
وتقرأ بأبعاد رفيعة في صور التقدم والعطاء الفكري.. وإن دل ذلك
على شيء فإنه يدل على عظمة هذا الإنسان وقدرته في تشكيل العالم
حسب حاجة المجتمع الذي يعيش فيه هذا الكائن وعلى سبيل المثال
تأمل مآثر الحضارة الإغريقية والفرعونية والبابلية. ولا تقف
هذه الرؤية عند عصر معين، بل تمتد لتحقق بقاء فكرياً ومعرفياً،
ولتؤسس فلسفة معرفية ناضجة عن قوة وسلطة ما ظهرت عبر التاريخ
وغيرت مفهومات كثيرة كانت قد تحجرت لغياب التجديد الفكري،
ولأهمية التفاعل الإنساني أقتضى ذلك البحث التنمية الثقافية
والاجتماعية والعمل على الرقي بهذه الكائنات الأرضية وإشراكها
بالتفكير معها وتبادلها نفس القدرات والخبرات لتكتمل نظرية
التواصل لدى الكائن البشري.
ويخرج اعتماد النص جسماً ذرياً من الحسبان، لأن الذرة محددة
الوظائف، ولها قدرة مستوعبة، رغم الانشطار والاندماج، ولعله ذو
أهمية عظيمة حينما نقول أن النص كائن نووي، أي يحتوي على نواة
تحمل صفات وراثية تنتقل عبر الأجيال الثقافية وتحافظ على سمات
الكائن وقدراته وإبداعه وقياساً لذلك نقول أن هذا الكائن له
–جماليته، وسر خلوده، وملامحه, وذاكرته، وهذا أنساق معرفية
تشكل الهيكل المرئي له فلا يمكن أن يتجاهلها الدارس، ومنها
ينطلق الحكم الأولي على الكائن/ النص.
أما جمالياته، فلديه جماليان1) جمال الروح/ المعني.
2) جمال المادة/ الشكل. وتعني اللغة، وهي الجسد الذي يتشكل
فيها النص الأدبي، ويتمثل جمال المعنى هنا في اعتبار النص قدرة
تجسد معنى كونياً بتفكير اليومي والشعبي.
يعطي النص رونقاً مشعاً لكل المتلقين عبر الأجيال، لأنه يلامس
شغاف القلوب ويترك أثراً في النفس، ويعزز نوعاً من العلاقة
الخفية بين المتلقي والنص، سرعان ما تظهر بشكل تنامي إذا كان
المتلقي منتجاً، أو أدبياً، وروح النص "المعني" لا بد أن تكون
شفافية تنتقل من دورة إلى أخرى، تترك رغبة في ترديدها ونقلها
والاستشهاد بها، وتحليلها، والأرواح "المعاني" تختلف باختلاف
التركيبية والخيالية المغايرة التي تعبر بقوة عن عظمة الكائن/
النص، وتنقل عالماً مقنعاً في الحكم على قدرات النص وأساليبه
في التفكير البلاغي- وقضية الخلود كينونة تعني الكثير
للإنسانية. والكائنات العقلية، وفيها ثبوت طبيعي حتمي، وعاها
الإنسان أم تغاباها.. وثبت دينياً أن الروح مستنسخة من روح
الإله حينما نفخ في كتلة الطين ليخلق الكائن، والنص هو الكائن،
لأنه يبقى فيه أشياءه، ومعنا عنصران مهمان هنا هما
–الأهمية-والقيمة، ولنسبية القيمة عند كل شخص فإنها ليست
مقياساً للكائن، بل أن الأهمية هي المرتكز الوحيد لخلود هذا
النص أو ذاك، وتختلف الأهمية لاختلاف الأزمان والحضارات، وتأتي
الأهمية الموضوعية محوراً لربط الماضي بالحاضر، ولمعرفة البعد
الإنساني الذي يربط الكائن في كل بقاع الأرض، ولأهميته أيضاً
سر في تواشج الكائن البشري في الأرض بكل أشكال التثاقف إذاً
خلود النص/ الكائن يتمثل في معرفة البعد الإنساني ومعاناة
الذات وقوة تصوير الواقع فيه، والتعليل المنطقي والغائية
الواردة فيه، كذلك لمعرفة تركيب الكائن،/النص/ الخلية، و
استخراج الطابع الوراثي في كل النصوص التي تتناسل وتتناسخ عبر
الأجيال والعصور لتضمن لنفسها حياة واستمراراً وخلوداً.
وتختلف ملامح النص لاختلاف العامل الوراثي البيولوجي، وعملية
الاستنساخ النصية غير المحبذة، لأنها تفقد النص المولود حيويته
وإبداعه، لكن توجد بعض من جزئيات النص المتراكمة
"الكروموسومات" التي تدخل تحتها الأساليب البلاغية والتركيبية،
بها تتشكل ملامح النص، وتبرز هوية النص الكتابية وقدرة منشئ
النص على التجديد.
والنص تظهر فيه ملامح قصصية وشعرية حسب ورود تشكيلات وروافد
داخلية تظهر هذه المعالم، ولو قسناها بيولوجيا لرأينا أن هرمون
التستوسترون هو الذي يحدد معالم الذكورة والأنوثة في الكائن،
فإذا زاد الهرمون كان الكائن ذكراً، وإذا قل كان أنثى، لهذا
فالجملة هي التي تحدد النص، إذا كانت انشائية ودقيقة وموجزة
كان النص شعرياً، وإذا كانت الجملة تقريرية وسردية واخبارية
كان النص سردياً، بعيداً عن الايقاع والوزن، لأن النص المعاصر
بدأ التجرد عن ذلك وأصبحت اللغة هي التي تشكل النصوص سواء
شعراً أو سرداً، وهذه الملامح تظهر جلياً للنقاد من النصوص.
لكن ما سر الكائن الذي جمع الخاصيتين، إن الرجل في مرحلة
متأخرة من التكوين إذا زاد عليه هرمون الأنوثة يتصرف بحركات
الأنثى، وإذا زاد في الأنثى فإنها تسترجل –أي تحمل صفات
الرجولة- والطبيعة الفيسيولوجية تختلف عن الملمح الخارجي، لهذا
قد يكون النص شعرياً لكنه سردي الشكل والعكس، وعلى ذلك قس.
وتحتفظ البيولوجيا بذاكرة للنص، لهذه الذاكرة سعة محددة وقدرة
مبنية في عمليات حيوية في بناء النص معرفياً، ولأن النص يمثل
وعياً ولا وعياً فلا بد أن نتعامل مع البنيتين "مرحلة الوعي،
ومرحلة اللاوعي" وما هي التغيرات الطارئة اللغوية والظواهر
الذهنية المسيطرة في كتابة النص، ويتم ذلك لدراسة الخلايا –أي
الوحدات الداخلية في النص- وعبر اللغة وحقولها ودلالاتها
وصورها يتضح ذلك ومرحلة اللاوعي مهمة علم النفس الإدراكي، وفي
بنية الوعي النص نقف عند جهود الباحثين البيولوجيين بيمباو
وجوليان ستانلي في دراسة ذهن الكائن إذ ورد أن ذاكرة الرجل
تتمتع في مهارة العلوم والرياضيات بالقدرة البصرية-المكانية،
والاستنتاج من الوقائع والمقدمات والتفكير العلائقي المجرد،
والرؤية والتفكير بواسطة الأنماط والمفاهيم والعلاقات الذهنية
المجردة أما ذاكرة الأنثى حيث تتميز بمهارات التنسيق والتفوق
في المهام التي تتطلب الحركة السريعة والبارعة والأنيقة،
والمهارات التي تتطلب تدفقاً لفظياً وسهولة في التعبير عن
الأفكار وهي وظائف تمثل شكلاً من الاتصال البشري، لذا تحب
المرأة تقديم الخدمات والانخراط بالعمل الجماعي وأعمال
السكرتارية والتدريس، وهذه درجة ثانية.
وتطبيق هذا على النص فإننا نربط النص الشعري بمجموعة المهارات
والوظائف التي يتميز بها الرجل، لأن النص الشعري يقوم على
استنتاجات أيديدلوجية، و رؤيوية من خلال الأحداث والوقائع التي
وقفت أمام باصرة الشاعر وكذلك إيجاد العلاقات الرمزية بين
العوالم المتشكلة فيه، والعلاقات الداخلية بين اللغة والنفس
والقدرة الإبداعية ويعبر عن إمكانية التجريد بعلائق تناسب
العملية الإنتاجية، أيضاً تمثل حادثة إسقاط اللغة وقت الكتابة
والأطر المفاهيم التي شكلت العبارة وضغطت الدلالة أو فتحتها
إلى آفاق تعبيرية كثيرة، وطبيعة النمط الفكري تحدد طبيعية
النمط الكتابي وهذه يعيها الكثير من المبدعين. وتظهر قضية
البرمج اللغوي في اختزال تعبيرات كلامية طويلة أو جمل شعرية
إما في مفردة واحدة وإما في جملة واحدة، أو اختزال مقطع شعري
طويل في جملتين فقط، يقوم هذا الدمج على تكثيف اللفظ وإيجاد
بلازما "تقنية الحذف والاختصار" وتتكون هذه لتصير الدلالة
مرتبطة بمعنى موجز من ضغط اللفظ إلى حد أدنى، أما الانشطار
اللغوي يتمثل من خلال تكرار مفردة في سياقات مختلفة أو تكرار
الدلالة بألفاظ مختلفة.
وتدوير النص وتأطيره وقولبته بدلالة مأخوذة من اللغة "المفردة"
مباشرة.
ولا تحتاج إلى بحث وتأمل بهذا يمكن معرفة ما تتطلب ذاكرة النص
من أدوات وأساليب للارتقاء بالنص معرفياً ومعرفة أخطاء
التراكيب (syntax
) الجملية والمقطعية في النص، وما التراكيب المقحمة في النص
التي يجب التخلص منها في لحظة إنتاج نص آخر.
ويتم بهذا مناقشة ضروريات الكتابة الشعرية وإجراء عمليات
جراحية لجزيئات الخلايا المتكونة في النص، أما النص السردي
فإنه يرتبط بالقدرة الذهنية الأنثوية التي تميل إلى التنسيق
كما ذكرنا، بهذا يكون السرد قائماً على الترابط الخبري للأحداث
والوصف الذي يقدم معلومة إخبارية تفيد إجتماعياً، واللعبة
السردية تقابل المهام البارعة والأنيقة والسهلة الحركة، لأن
البراعة جوهر أساس في تقديم هيكل سردي، ومن الضروري أن يصاحب
ذلك تأنق في ربط الشخصيات وتقديم أحداث على أحداث، وأختيار
خروج وأغلاق مناسب اللبنية السردية، كذلك اختيار اللغة التي
تتجاوز البحث الدلالي والمراوغة، لغة تهتم بلفظ يناسب السياق
المفترض والمقدم، ويختلف لاختلاف الموقف الكتابي، كذلك هذا
التنسيق يطرح بنى سردية جميلة ورائعة فمرة بنى متوازنة، ومرة
متعامدة، ومرة متقاطعة، ويجعل لغة الخطاب في لحظة ولغة الحدث
في لحظة أخرى، ويتشكل التنسيق الروائي باللعب بالروى كما يريد
المؤلف، كل هذه يمكن قراءتها من النص السردي بتأمل الخط
اللولبي في النص.
والغالب أن هرمون الاستروجين إذا ارتفع لدى الجنسين فإنه يؤدي
إلى زيادة في أداء الوظائف الذهنية ويقوى من المهارات التي
يقوم بها الكائن، واستروجين النص الدفق الوجداني المعتمد على
التجربة في الكتابة، فإذا كان الدفق "استروجين النص" عالياً،
كان النص قوياً ورائعاً، وإذا كان الدفق منخفضاًابتعد النص
درجات عن الفنية.
قراءة الكائن/ النص بيولوجياً يتم كالآتي:
إن التواصل الإنساني يفضي إلى دراسة العوامل الحضارية التي
تضمن له البقاء، والعوامل الحضارية تختلف من عصر إل آخر،
ويكفينا في القرن 21 أن نصل إلى عملية استنساخ وتكوين أجنة
جديدة تحمل نفس خصائص وطبائع الكائن الماثل أما منا فأصبح
بمقدور الإنسان أن يحدث له استنساخ آخر، وبمقدوره أن يغير
عضواً بدلاً عن آخر تالف من خلال انقسام الخلايا المستخرجة
وتنميتها في بيئة خارجية. كل ذلك يتم بالعمل على تشريح الخلية
وتبديل عناصرها الداخلية وتجديد ذلك، كذلك يمكن أن يتم استخراج
صيغة الشيخوخة في السن وتحويل جسمه إلى شباب، وتغير الأولوان...الخ.
ولو حاولنا أن نقيس النص الأدبي على ذلك فإننا سنقف أمام
مجموعة مصطلحات بيولوجية نحاول هنا أن ننقلها إلى الحقل النقدي
كما سنرى، إن الخلية تحتوي على مركب يسمى الجين "الجينوم" هو
عبارة عن هيئة لولبية من حمض (D.N.A)
وهو الحمض الذي يحتفظ بالصفات الوراثية لدى الكائن الحي، يتكون
حمض(D.N.A)
من الشفرة الوراثية "الكودون
COdons"
عبارة عن ترتيب ثلاثي من القواعد الحلقية النيتروجينية موجودة
على شريط (R.N.A)
التي تقرأ معطية وحدة بنائية هي الحامض الأميني".
والجين بنية متكاملة مثل خرزة في سبحة تتبع سلسلة من
النيوكلوتيدات وعددها أربعة تحتوي كل واحدة منها على قاعدة
حلقية نيتروجينية واحدة، ثم الكروموسومات وهي تراكيب
ميكروسكوبية توجد في نواة الخلية وتحتوي على أشرطة طويلة من (D.N.A)
الذي يمثل كل جزء منه جيناً معيناً. والشفرة النووية توجد في
البيريميدين القواعد النيتروجينية التي تدخل في تركيب الحوامض
النووية، وهي على شكل حلقة أحادية من النيتروجين، والبيورين
أيضاً يطلق على القواعد أيضاً ولكن على شكل حلقتين من العوامل
الوراثية في
D.N.A)
وهي الثايمين (T)
والسيتوزين (C)
والجوانين (g)
والأدينين (A)
وتحليلات الكيمياء تشير إلى أن الارتباط بين هذه المكونات نسبة
واحد الى واحد مما يرجح أن قاعدة الارتباط بين السلاسل تحدث
بين قاعدة بيورين ثنائية مع بيرميدين أحادية، وهكذا والترابط
يكون عكسياً.
إذن أتفق اللسيانيون والبيولوجيون أن هذه الشفرة تحمل لغة
قديمة جداً منذ تكون الإنسان، هذه اللغة تتكون من 3 بلايين
كلمة في الخلية هذه الكلمات تحمل الصفات الوراثية، وتقرأ وحدات
فرعية تضاهي الفونيمات وتتكون شفرة لغوية ثم يتم التأليف بين
هذه الشفرات في كلمات وتنظيم الكلمات في جمل، والتركيب العكس
يختلف عن تركيب اللغة.
لكن الشفرات الوراثية ترتبط بالشفرات اللفظية ومن هنا يكون
الرابط، والكرموسوم يعتبر وحدة لسانية ثم تتحول إلى وحدة
معجمية، ومن ثم إلى وحدة نحوية من مراتب مختلفة، ثم يتم الصعود
من الكودونات إلى السيسترنات والأبيرونات، وهذان الصنفان
يعادلهما البيولوجيون بالأبنية النحوية السائدة (Syntax-D.N.A)
والحدود القائمة بين السيسترونات ضمن الأوبيرونات توصف
استعارياً بـ"علامات الترقيم والفواصل، وتطابق التقسيم
الفونولوجي للتلفظ إلى جمل والجمل إلى تعبيرات، ثم إلى حقل
تحليل الخطاب.
وهكذا يتم معاملة الخطاب، الجين وحدة دلالية، تتكون من وحدات
معجمية ثم مورفيمية ثم فونيمية، أتساءل: ما المفهوم الغائي من
هذه الآليات؟ من المعلوم أن دراسة النص الأدبي بفنية مطلقة فقط
يجعل النص مجردا عن الحياة في قالب الآخر، حتى الفن بما فيه
الأدب أصبح علماً له أسسه ونظرياته وقوالبه.
ولهذا اضطررنا إلى المزاوجة.
وبين أيدينا نص شعري للشاعرة المتمكنة الرائعة، الشاعرة التي
تنسج نصها من وهج الشمس وعظمة الفلسفة / هدى أبلان في نص
"محاولة لتذكير ما حدث" وهو موضوع دراستنا، الكائن الذي تدخل
فيه هدى مرحلة كتابية نموذجية تتفرد بها.
إن لغة البيولوجيا في النص تتعامل مع الحروف بـ"التايمين
T"
الحروف الصائتة و"السيتوزين" الحروف الصامتة، و "الجوانين
g"
الحروف المتحركة، و "الأدلينين
A"
الساكنة، لأن هذه المكونات النيتروجينية في الحلقات تشكل
العوامل وتتركب لتشكل حلقات أحادية وثنائية، وهي في النص
تتداخل Tو
g،
و Cمع
A.
وتتركب بشكل عكسي لتكون الكودونات "المفردات"، وبلغ عدد
الثايمين 50 حرفاً، والسيتوزين 232 حرفاً، والجوانين 74 حرفاً،
الأديين،8 15 حرفاً.
تداخلت هذه لتشكل الخلية التي تكونت من جينين "الأول+الثاني"،
وهذا يعني أن السيتوزين "الصامت" تقدم كثيراً، لهذا كان النص
يحمل طابع التعبير والبوح والنقل وتتناقل النصوص الإبداعية
بشكل عام هذا التأثير وهنا برز لأن الحرف الساكن "الأدينين"
أخذ أعلى نسبة (158) وهو في الجين الأول بارز لأن التعبير
والافصاح واضح فيه، أما الحين الثاني فكان الكشف عن المعاناة
ونقل الواقع الإبداعي بارزين أيضاً، ومن قراءة حركة (T
.C . g
. A)
نرى أن الكودونات تظهر بشكل جلي في الجين الأول "صفر-اتسع-
اسرجني- الصباح- ابتسامته- مضغتني- صارت – مكسوراً" فقد تبادلت
حروف الصفير "س، ص، في الواقع والكودونات وفيها نوع من الهمس
والحركة والبوح بينما في الجين الثاني كانت الكودوناتوفيهانوع
من الهمس والحركة والبوح بينما في الجين الثاني كانت الكودونات
"المكان –كان- أكثر 3 مرات –سقفاً –مقعدين-صفحة-فنجان- منفضة-
مطفأة"، وفيها ظهرت حروف الجهر بقوة "ك، ق، ف، وفيها اضطراب في
الحركة ويشر ذلك بالانفعال في وصف لحظة المعاناة الإبداعية
وطرح رؤية النص بما تحمل من قهر وإحساس وخفوت، ومن الربط بين
الجينين دلالياً.
تعرف أن العوامل (T،c،g،A)
مع الكودونات في النص التعبير والبوح والنقل الصادر عن القهر
والإحساس والخفوت، ومنها أيضاً عرفنا ارتباط الجين الأول
بالثاني لتكون الخلية/ النص ونواتها "محاولة لتذكر ما حدث".
ومن خلال التراكيب حدث اختيار في الجملة، لأن التحولات الذهنية
أفصحت عن جملة أسمية "حرف جر +اسم" + "اسم"، وهي تعتبر عتبة
لتوالي الشكل اللولبي الإنسيابي للجمل جملة فعلية / فعلية/
فعلية/ معطوف/... ثم.... صارت ما قبل هذه التراكيب الفعلية
يوجد تركيب آخر بين نشأة الذات وممارسة حدث الكينونة منذ خلق
الذات الشاعرة كأن يكون التراكيب: في ما قبل لعد/ سقطت ورقة
برقوق/ لا تعرف من وجه الأرض سوى خذ مجدور... ثم تأتي جملة
النص "في اللحظة-صفر" مثل هذا البناء المفترض يمكن أن يدخل قبل
كتابة النص ويظل يروح ويغدو في ذاكرة النص يوجد في هذا الشكل
اللولبي كرموسوم جملي يحدد المأخذ المعرفي، هذا الكرموسوم
يتكون من بناء تتابع في التركيب، لكن يحمل مغايرة تركيبة واتسع
وعاء القلب" فعل +فاعل+ مضاف إليه، حط الله الحطب المحموم فع
+فا+ معفو+ مضاف إليه، كل هذه الأنماط التركيبية تحمل صفات
وراثية متغيرة، لأنها تؤدي وظائف متعددة فمرة يتركز فيها
الفاعل مثل حط الله الحطب، ومرة يكون المكان اسرجني عند وجهه
هذا لكل كرموسوم دلالة تعتمد على الوحدة الأولى ثم المعجم لكن
صارت اللحظة عمراً، هنا دلالة تتمحور حول عملية التصيير، وليس
على الفاعلية "اللحظة عمراً" أي فيها اجترار وتمديد وتحويل غير
معلن هذا التركيب هو الجزء الأول الذي يمد الخلية بالمحتويات
والأجسام المكونة وتمتد حسب قدرة الأديب و المجال الذي تتوالد
فيه الكروموسومات، هذا التوالد الكرموسومي يحكي قدرة فذة في
الإنتاج ورغبة استثنائية في المزاوجة بين الفكر واللغة في
النص، والاختلاف في توليد الجملة الفعلية يشئ بذاكرة متسعة
تتمدد وتتقلص حسب قدرة الوحدة الدلالية "الجين" أما المقطع
الثاني "في المكان الذي كان سقفا ويدين" يتغاير التركيب عن
الأول، لأن الكروموسوم الجملة تتشكل من ترابط كودوني "مفرداتي
متغير "حرف جر+ اسم " + اسم موصول + جملة صلة، هذه الكودونات
تحمل صفات إبداعية مغايرة سقطت حسب حاجة النص لذلك، لأن المكان
غير الزمن، المكان يحتاج إلى توضيح وإبانة، فجاء الفعل
والكرموسوم كان سقفاً ويدين غير ما ورد في الجين الأول "في
اللحظة –صفر، لم يحتاج إلى تغير كودوني مثير بل كان مختصراً
شافياً، وإن تكون من ثلاثة كودونات، في + اللحظة +صفر،
والتماثل الكودوني في الكرموسومات الضيقة، ليس أكثر من جرح
تدلى/ ليس أكثر من مقعدين على صفحة /ليس أكثر من فنجان.. كلها
أنساق تحمل صفات وراثية أثباتية، خرجت الدلالة المنفية من
الكودون "ليس" إلى دلالة جديدة مرتبطة بصيغة التفضيل أكثر التي
حدوث مستويات الوجود الجسماني، وهي تقيس دلالات محددة لا يمكن
أن تتعدى إلى أكثر أي بقدر ما ورد في الجين الأول من حدوث مع
الزمن، حدث مع هذا الجين الذي بدأ –في المكان الذي.. وانتهى
وامرأة مطفأة، كله محدد بكرموسوم "مترأ من الحب"، إذا ارتبط به
كل الكروموسومات المتكونة خاصة ليس أكثر من فنجان دم/ ومنفضة/
وامرأة مطفأة، ونسق العطف هذا تجاوز ما قبله لتركيز الدلالة
فيه على (ذات)هي امرأة مطفأة لأنها سر اكتشاف الموجود و
اللحظة في النص التماثل الجملي خلق توقفاً دلالياً يتناسب مع
المكان- الجسد- سقفاً ويدين" وتنوع هذه الكيفية التأليفية في
النص جعل الكائن يحمل كرموسومات كتابية تناسب الموقف والحالة
والإسقاط، إذ حذف ما استطاع من ذلك بدأ بالصفر، ثم استقر الحدث
على القلب/ الجسد.
إن عنصر الأستروجين الإبداعي كان في ذروة عالية وقت نزول النص
إلى الورق ولأن النص شعري تركزت المفاهيم الكتابية فيه على
استنتاج وتأمل أدي إلى استخراج الرؤية الموضوعية ومحاولة
لتذكير ما حدث"، استطاعت الشاعرة هدى أبلان أن تتجرد عن
التاريخ وتخلق زمناً خاصاً بالذات في النص، زمناً سالباً/زمن
الصفر/ زمناً موجباً، واستقر إبداعها في مرحلة مهمة "الصفر"
وهي بداية الإنطلاق هذا المقياس العددي يجسد المفهوم الرقمي في
تناول القضايا والإبعاد الذاتية والفلسفية.
وقد كشفت عند الشاعرة هدى أبلان في نصوص أخرى، لكن المفاهيم
اتسعت عندها وتجردت وتجردت عن أناها إلى أنا مشرفة على الخلق
والإبداع، "في اللحظة صفر" أوجدت مفهوماً بارزاً يتعلق بالخلق
والتكوين في –اتسع وعاء القلب/ حظ الله الحطب المحموم/ أخذ عود
حنانه/ وأسرجني عند وجهة الليلي، هي مرحلة الشعور بالبعد
الإنساني "الحنان"، والمودة وتهيئة الإنسان لذلك ثم تجسيد
المكان في "في المكان الذي كان سقفاً ويدين" وابراز حدث كوني
مهم للغاية في النص، هو سبب الترابط "متراً من الحب" الذي خلق
هذه اللحظة الشعرية وصير اللحظة عمراً منذو را للريح، وأوجد
امرأة مطفأة، ونقل مفاهيم متعددة للحب، خرجت عن السائد، مرة
القهر، ومرة الإحساس، ومرة التدفق.. والذبول كل هذه مكامن
لغوية حددتها بنية اللغة الموحية.. وهنا الشاعرة وحدت الأنماط
الفكرية بالأنماط الكتابية وحدوت مفردات النص بعد تحديد البنية
اللغوية ذهنياً، ولهذا كانت اختصاراً، وتكثيفاً وتحديداً
وتنويعاً في الجمل ...الخ.
ولغة هدى أبلان تحددت في بنيتين 1) السيسترون وهي تحمل الدلالة
المعجمية الأولية 2) البيرون وهي لغة كلية دلالياً، وتدخل فيها
جميع الاشتغالات اللغوية، والتقنيات والصور الشعرية، وإنماط
دلالية أكثر، ولنتأمل السيسترونات الآنفة.. اتسع وعاء القلب/
حط الله الحطب/ أخذ عود حنان.. نلاحظ أن "اتسع-حط-أخذ" تدل
معانيها المعجمية على "الاتساع –الوضع-الأخذ" كلها دلالات لم
تبارح كوندوناتها إلى معاني أضافية وهذه سيسترونات غير "وعاء
القلب- عود حنان" التي أضافت معنى بلاغياً ذا طابع استعاري
مؤطر من باب التصاق اللغة "مضاف+ مضاف إليه" وعاء القلب. ويبقى
القلب بطابعه السيستروني، كذلك الحنان –الحطب- الغروب- فنجان.
أما البيرون الدلالي: يتمثل في اللغة الأخرى، التي وجدت وتجسدت
بشكل طاغ من خلال مغادرة الكودونات لمعانيها إلى معان جديدة
خلقها السياق النحوي "اسرجني عند وجهه الليلي/ تشقق الصباح/
غردت ابتسامته/ مضغتني عند مفترق الغروب... القلب إناءً
مكسوراً، كل هذه الأبنية اللغوية كسرت النمط السائد كما في
أسرجني- فإنها تشتغل على بعد ذاكراتي في الأسرجة والسرج يكون
للحصان أو الفرس، وفيها تهيئة لوضع آخر كما يريد الفاعل في
بنية الفعل، وفيها دلالة تحول وإدراك أيضاً وفي تشقق الصباح
بيرون أحساسي بانتقال المعنى في الكروموسوم إلى معنى آخر هو
الانتهاء كون الصباح طبقة تتشقق ومن ثم ستتفتت وتزول وفيها
تلاش واضح، وبنية استعارية مكنية لتداخل الحواس فيها 2 حاسة
البصر، واللمس، وعليها يمكن قياس غردت ابتسامته / لما تحمل من
استعارة مكنية، مضغتني عند مفترق الغروب، فيها كسر المألوف
اللغوي بافتران مفترق لأن ذلك يربط بـ"الطرق" فخاب ظن المتلقي
و ادهشه ذلك حين بدت "مفترق الغروب" ومزج الأكوان في صدر بيت
واحد.
ويتجلى بيرون الحذف في "متراً من الحب" لأن في الجملة حذفاً،
هذا الحذف صيغة فعل ماضي هي "عشت متراً من الحب" أضفى هذا
الحذف روعة لأنه مفتاح لذاكرة النص وتفتيش في زواياها عن ملاجئ
الرؤى والأحداث والتوقعات والصياغات المتنوعة للمفردات.
"القلب إناءاً مكسوراً" صورة تخيلية ذهنية بصرية أكثر من
غيرها.. تحددت في "مكسوراً"
ليكون وجهاً للتصور التشبيهي، يصاحب ذلك تتبع واسترجاع للحظات
ما قبل الانكسار ومحاولة تصور صورة سمعية لانكسار الإناء/
القلب.
أما الغة الإيحاء واللزوم هي بيرونات مهمة سواء في التركيب أو
المعجم، "سقفاً ويدين" وهي تشي بالهيكل الخارجي وتوحي
بـ"الجسد" وهو رابط بين "المكان-السقف- اليدين –الحب" فيها
استدعاء وإتكاء على خيوط توصيلية ذهنية، وكلها من أشياء ذاكرة
النص كذلك "فنجان دم" وهي تلزم التدفق المتعلق بالإحساس
الداخلي "الروحي" أيضاً "امرأة مطفأة" وما يوحي الانطفاء من
ذبول وانتهاء وفيه بقاء لأنه مجازي وهو الانطفاء من الأحاسيس
لا انطفاء الروح نهائياً.
ولولا الانطفاء لأصبحت الذات الشاعرة تعيش لحظات الحدث ولا
داعي لمحاولة لتذكر ما حدث، فهنا يبحث العنوان عن معنى له في
النص فغار في الجهة السفلى من الذاكرة الفضية. وهذه البيرونات
تعطيك تصوراً نفسياً للحظة الإبداع الشعري، وهي انتظار ما
ستؤول إليه الذات بعد إيداع النص واسقاطه من عوالمه الغيبية،
وبيرون الاختيار الذي عكس قوة الكروموسومات أو الكودونات
أحضرلنا كروموسومات زمنية في الجين الأول مثل وجهة الليلى
الصباح- الغروب" لوجود الهيئة الزمنية، وفي الجين الثاني
كروموسومات لمسية "جلدية" كما في "جرح –معقدين –الجمر –دم"
لطغيان الهيئة المكانية / الجسد أخيرا استطاعت الشاعرة هدى
أبلان بقدرتها الإبداعية أن توحد الزمان بالمكان في خلية نصية
واحدة تحمل جينين كل جين له دلالة معينة، وتخلق كائناً له صفات
وراثية باقية، يحمل ذاكرة يتوفر فيها سر إبداع النص الشعري،
يمكن قراءته بيولوجياً.
المراجع
الاتجاهات الأساسية في علم اللغة، ومان جاكبسون. المركز
الثقافي العربي.
مجلة الكويت العدد 212 موضوع هل تنجح البيولوجيا في نسق الفروق
بين الجنسين د/ بدر المنسي
مجلة الكويت العدد226 موضوع استنساخ الأجنة البشرية تحامل علمي
ضد الإنسانية د/ نبيل سليم
مجلة الكويت العدد 260 موضع خفايا وأسرار الجنس البشري سليمان
داود الشراء |