|
|
|
ظواهر في لغة الشعر المحضاريّ
د. عبد الله حسين البار
إشارة
صفا ما عين با
معبد ولكن ما بيار الحزم عاده ما صفي
ونا قلبي بغا شربة هنيّة لي بها الأمراض منّه تشتفي
مرض قلبي خفي
عيا فيه الطّبيب المول.. والمتعلّم العارف
وعبارةٌ:
إلى أخي الودود عمر بن حسين البار
***
للشّاعر عُمْرانِ.
عمرٌ بيولوجيٌّ لا يختلف في مجمله عمّا يحياه كلُّ إنسانٍ سواه وإن
اختلف في تفاصيله عن كلِّ أحدٍ سواه. وتلك سُنّةٌ بشريّةٌ لا مهربَ للإنسان
منها مادامت سنن الكون متحكّمةً في طبائعه وفي خلقه.
وعمرٌ سرمديٌّ لا يفنى إلاّ بفناء الإنسانيّة جمعاء حين يشاء لها الرحمن
ذلك. ومن هنا لا يكاد يتساوى موت الشّاعر عند شداة الأدب ودارسيه ومتذوّقيه
مع موت الإنسان فيه؛ لأنّ الشّاعر خالدٌ في هؤلاء جميعاً لخلود روائع
إبداعه في أفئدتهم وطرائق تلقّيهم للأدب والشّعر. فيستعصى ذِكْرُ الشّاعر
على الموت وإنْ سهل أمره على الإنسان فيه. وما هذا الاستعصاء إلاّ نتاج
الارتباط الشَّرْطيِّ بين إبداع الشّاعر الفنيّ وذوائقنا الشّخصية وقدراتنا
على درس الأدب والشّعر والتّأمّل فيه.
والشّاعر المحضار صورةٌ من صور الخلود الشّعريّ الذي رسمته طاقاته
الإبداعيّة في سطور مذكّرات قلوب كلّ من وقف على شيءٍ من شعره بماءٍ من
ذهبٍ لا يمّحي أو يزول. وكيف لا يكون الحال كذلك ولشعره لوطةٌ في القلب
يتولّد عنها شغفٌ يملأ الوجدان، ويهيمن عليه، يستوي في هذا أن يكون الشّعر
من نتاج بداياته الأولى أو من أواخرها؟ وهل يُنسى من قال قولاً في العشق
كقول المحضار:
وللعشق أبواب أبواب تتقلّد
واحيان يفتحها التهيواس والتفكير
وله ذِكْر فوّاح فوّاح مثل الند
وساعة تجي له ريح وتعكّره تعكير
وله نار مثل الكير
لقا يوم يطفيها لا قد رشنها البين
أو كقوله في مقامٍ آخر:
الحب كالغصن لا ظلّلك بظلاله
يبغى عناية كاملة ما يجوز اهماله
وفوق ذا إمّا صلح ودنّت إخياله
والاّ جرفه السيل
أو كمثل قوله في مقامٍ ثالثٍ:
ومن تعب في طريق الحب يتعقّب
عاد بعد الحسور الواطية عقبه
والذي ما وزن عقله ولا حسّب
في الهوى با يخرجونه من الحسبه
الهوى نار والغيرة تشبّه
فيه أهوال راس الطّفل منها يشيب
أو مثل قوله في مقامٍ آخر:
بالودّ قلبي والمحبّة ملي
والجود والمعروف شغلي
ما عيب حد .. يغلب علي أصلي
حتّى إذا شفت الدلايل والقراين
وغير هذا وذاك؟ ومن أمثاله في شعر المحضار الكثير الكثير.. لكنّ المقام
لا يتّسع له.. والغاية لا تقصد إليه.. وإنّما المرتجى من هذا الحديث الذي
ننشئه بمناسبة الذكرى السّابعة لوفاة هذا الشّاعر الكبير أن نومئ إلى
ظواهرَ في لغة شعره تنبئك عن مدى حرص المحضار على إحكام صنعته وتجويدها.
وما ذاك إلاّ لأنّ المحضار شاعرٌ عبقريّ، وكلّ شاعرٍ عبقريّ من أمثاله
صانعٌ ماهرٌ ومُجوِّدٌ في الصنعة مُحكِمُها.
وأولى تلك الظّواهر:
1. (اللبس): والمقصود به أنّ الجملة في شعر المحضار يمكن أن تُقرأ بأكثر
من صورةٍ لغويّةٍ ويتولّد عنها عددٌ من المعاني والدّلالات تتحكّم في
إنتاجها طرائق المتلقّي في استيعاب النصّ وإدراك مقاصده ومغازيه.. ومن هنا
يقبل النصّ كلّ تفسيرٍ دون أن يُخِلَّ هذا بتركيب الجملة كما صاغها المحضار
في شعره. قال:
ورا ذي يـحـبّـونني بالأمس عادوني
ووقفوا حجر في طريق الحبّ من دوني
وراهم تـحدّوني وزعلوا عـلـى شانك
يتمثّل اللبس في قوله: [ وراهم تحدّوني وزعلوا على شانك].. حيث يمكن
للمتلقّي أن يقرأ الجملة على أنّها جملةٌ استفهاميّةٌ واحدة على هذا النحو:
( وراهم تحدّوني وزعلوا على شانك؟).. فتنتج دلالةً واحدة ولا غير. على أنّه
يمكنه أنْ يقرأها على نحوٍ آخر تصبح به الجملة جملتين.. إحداهما
استفهاميّة، وثانيتهما خبريّةٌ تعليليّةٌ. وذلك على النحو الآتي:( وراهم
تحدّوني وزعلوا؟). وهذا استفهامٌ لا يُخفي حيرة المتكلّم من الحدث الحادث..
فتكون الجملة اللاحقة جواباً تعليليّاً له وهي: (على شانك.). بيد أنّ هذا
ليس كلّ شيءٍ فلقد يصحّ أن تغدو الجملة السالفة جملتين استفهاميتين..
يترادف فيها الاستفهام ليزيد من حيرة المتكلّم ويملأه شجوناً، فتصاغ على
هذا النحو: (وراهم تحدّوني وزعلوا؟ على شانك؟). وهنا ـ وفي سواه من
الشّواهد اللاحقة ـ يكون للتنغيم، من حيث هو وسيلةٌ من وسائل التحويل
اللغويّ، حضوره الذي لا ينبغي أن يغيب عن ذهن المتلقّي.
وأمثال هذا في شعر المحضار كثير لا يخطئه ذهن لبيبٍ. ومن ذلك قوله:
حفظتك وراعيتك وصنتك بحبّي وانت ضيّعتنا
وشفتك بناظور الهوى من بلادي وانت عامد هنا
ومن حبّ حد ما شنا
يراعيه ويصونه وودّه يشوفه جم ولو هو قليل
وموضع الشّاهد في قوله: [ وودّه يشوفه جم ولو هو قليل]. حيث للودّ هنا
دلالتان. يقصد بأولاهما العطاء. ويقصد بأخراهما الرغبة. وعلى ذلك قد يكون
المقصود من قول المحضار هذا: أنّ عطاء المحبوب كثيرٌ في عيني محبّه وإنْ
قلّ. أو قد يصبح المقصود أنّ المحبّ يرغب ويتمنّى أن يرى المحبوب ولو في
تاراتٍ متباعدةٍ.
وقريبٌ من هذا قوله في قصيدةٍ أخرى:
قالوا انّك صغير
ما تستحقّ الهوى
ذا هرج ما هو سوا
يغالطونك كثير
يازين أهلك
وفي قوله: [يغالطونك كثير يا زين أهلك] موضعٌ للاستشهاد. فهنا يحتمل
القول أن يكون المنادى هو (يا زين أهلك) بالإضافة، ويكون واو الجماعة في
الفعل (يغالطون ) هو الفاعل . أو أن يكون المنادى هو (يا زين)، ويكون فاعل
الجملة هو الاسم بعد المنادى (أهلك). وبين الفاعلين فرقٌ لا تخفى دلالته
على متذوّقي شعر المحضار خاصّةً وسواهم من العارفين بأسرار التركيب اللغويّ
عامّةً.
وخذ شاهداً أخيراً قوله:
سر واطرح الحافر على الحافر
حتّى ترى صمّ الحجر محفور
النطنطة ما ودّت السّاير
خلّته واقف فوق باب السّور
ولعاد مثل العزم شي لا قده قاصر
ما هو أنا صاحبي لي قصّر
وإنّ في قوله: (ما هو أنا صاحبي لي قصّر) مجالٌ لتعدّد القراءة. فلقد
يكون المقصود: ليس صاحبي من قصّر في عهوده وواجباته. أو قد يكون المقصود:
لستُ الذي قصّر.. ولكنّه صاحبي الذي فعل ذلك. وسيكون للصفة دلالتها على
التّهكّم والاستهزاء كما هو ظاهرٌ في ناتج النّصّ.
هذه ظاهرةٌ وأمّا الثانية فهي:
2. (الأسْ): وهذا في أصله مصطلحٌ موسيقيّ. وهم يعنون به ـ في أبسط
التعريفات ـ الوقفة الموسيقيّة على مستوى النغمة وعلى مستوى الإيقاع. ولأنّ
المحضار ملحِّنٌ ذو درايةٍ بطرائق تأليف اللحن، وأساليب تشكّله فلعلّه أدرك
مدى أثر هذه الوقفة الموسيقيّة في تشكيل المعنى.. فسعى من بعد إلى إدراجه
في بنية الجملة الشعريّة في نوعٍ من التماهي بين التشكيل الشّعريّ والتأليف
اللحني عُرِفَ المحضار بإحكام أدائه، وتجويد نسيجه. ولئلاّ يستغرقنا لحديث
النظريّ دعنا نمضي إلى ضرب الشّواهد والأمثال لعلّها تبين عن المقصود.
قال المحضار:
يا حضرموت اعملي كوني وفيّه
وانت بالله ما زلت غنيّه
وبالعمل .. لا تخدمين القضيّه
بالقيل والقال
وفي قوله:[ وبالعمل.. لا تخدمين القضيّة بالقيل والقال] مجالٌ للقول.
فالأصل في الغناء أنّه حين يصل المغنِّي إلى قول المحضار(وبالعمل) يَصِلُهُ
بما بعده دون وقفةٍ لها دلالتها.. وهو ما يفسد على الشّاعر مبتغاه. وهو
تمييز الجار والمجرور بفاعليّةٍ عن أيّ سلوكٍ سواه.. وهو (القال والقيل) في
هذا المقام.
ومثل هذا قوله: [ لا قد صفا لي ** وود.. ما لعذّالي ومالي]. حيث لا
يستقيم المقصود من القول هنا إلاّ بالفصل ما بين الفعل (ودّ) والجملة
المستأنفة بعده.. وهو ما لا يكون إلاّ بقراءته معزولاً عمّا بعده.. وهي لا
تتأتّى للمرء إلاّ بهذه الوقفة القصيرة ما بين الجملة والفعل.
وقريبٌ من قريبٍ قوله في موضعٍ آخرٍ: [ما عِيب حد .. يغلب عليْ أصلي].
فلو أنّ ـ قارئاً أو منشداً ـ قرأ الشّطر الشّعريّ على أنّه جملةٌ واحدةٌ
لاختلّ المقصود. ومن هنا وجبت هذه الوقفة ما بين الجملتين، وهما هنا قوله:
(ما عيب حد) لتلد معنى الإطلاق. وقوله: (يغلب عليْ أصلي) ليفيد دلالة الفخر
والازدهاء.
وإنّما وصلتُ لك هذه الظّاهرة اللغويّة بـ(الأسْ) في الموسيقا.. لصلة
المحضار بالألحان من ناحيةٍ، ولأنّ الغالب على شعره الشّفاهيّة منة حيث هو
في أصله شعرٌ مغنّى. وإلاّ ففي الإمكان النظر إليه في دائرة (الشّكل
الطّباعيّ) فهو صورةٌ من صوره.
وعلى كلّ حالٍّ دع ذا وعدّ عنه لننظر في ظاهرةٍ ثالثة من هذه الظّواهر
في لغة الشعر المحضاريّ، وأعني بها:
3. (المنزع البديعيّ): وقديماً نظر علماء البلاغة ـ قبل السّكّاكيّ
وأنصار مدرسته الكلاميّة ـ إلى البديع على أنّه (البلاغة) في معناها
المطلق. فتحدّث ابن المعتزّ عن (البديع) وهو يقصد مكوّنات البلاغة في كلّ
ملامحها. وقال علماء القرآن بـ( بديع القرآن) وهم يقصدون كلّ التكوينات
الأسلوبيّة التي اشتمل عليها القرآن الكريم.. ولم يحصروه في دائرة ما
عُرِفَ في تاريخ البلاغة العربيّة بـ(علم البديع). ومن هنا يغدو المقصود
بالمنزع البديعيّ في شعر المحضار كلّ التشكيلات الأسلوبيّة التي تجلّت في
لغته الشّعريّة. ولكنّني سأقف على مظهرٍ واحدٍ منه هو التشكيل الاستعاريّ
خاصّةً، وهذا لأنّ كثيره في شعر المحضار يتطلّب درساً موسّعاً معمّقاً لا
يتسع له هذا المقام.
والاستعارة في شعر المحضار تتشكّل أنواعاً من جهة تركيبها النحويّ..
فتارةً يقترن فيها لفظان أحدهما حسيّ وثانيهما معنويّ فيولّدان استعارةً
تجسيديّة كما في قوله: (رقّ شرب الهنا من كاس بلّور). ومثله قوله:(هلّت
ليالي الوصل يا شمس الجفا غيبي). وقوله :(وقل لشمس الوصل هيّا اشرقي).
وقوله:(لا تخربون الزّمن مادام للتعمير قابل). ولا أظنّك تراني مبالغاً في
القول لو أنّني ذكّرّتُك بصنيع أبي تمّامٍ في هذا المقام. فصنيع الشّاعرين
"المحضار" و"أبي تمّام" يتسلسلان من نبع ماءٍ واحدٍ. ولكن دع ذا ثانيةً
وتأمّل معي في قوله: ( بالود يا غرس الهوى نسقيك). ستجد أنّ المحضار جعل
(الودّ) ماءً و(الهوى) غرساً يسقى.. ليجسّد لك من خلال هذا كلّه حالة
الارتباط الوجدانيّ ما بين المتحابّين.. وهو أمرٌ ما كان للمحضار أنْ يجلوه
لولا هذا التشكيل الاستعاريّ للغة الشّعر في أغانيه. وتارةً يجيء بها في
مقام التماثل كما في قوله: (واصبحت في كل ثغر أنشودة). وكما في تمثيله
المحبوب في سياق المناجاة بـ( نور عينٍ، وبهجة فؤادٍ، وفرحة الأعراس، ونشرة
الجمعة والعيد، والتبر والنبراس، ونزهة القلب والترويح، وغصن ضيرة
ناس...)...إلى آخر ما هنالك من ذلك.
وهو يولّد من المستعار صوراً لا تمنح ناتجاً دلاليّاً واحداً وإن بدا
المحرق الدلاليّ للصورة واحداً. قال في (شلّة) أغنيةٍ: (هلّت ليالي الوصل
يا شمس الجفا غيبي). في "شمس الجفا" استعارةٌ تجسيديّةٌ.. وفيها إلى ذلك
تدانٍ دلاليّ من حيث أنّ الجفاء عذابٌ وألمٌ ومعاناة. وفي قيظ الشمس
وحرارتها صورٌ من العذاب والمعاناة. ومن هنا هذا التماهي ما بين الجفاء
والشّمس. لكنّه يأتيك في مقامٍ آخر بالشمس وقد غدت شيئاً آخر يمنح من
الدلالات ما تمنحه شمس الجفاء السّالفة. قال:
إن فيك شي معروف عاده بقي
اذكره قد تنفعك يا صاحبي الذكرى
وقل لشمس الوصل هيّ اشرقي
لمّا متى أنا ويّاك بنسير في الغدرا
وإن غلّق المعروف بالمرّه
ولعاد لك في حبّنا فكره
با قفّل أبوابك وبشبع لي سكون
هنا تجيء الشمس كما جاءت هناك.. وهي نفس الشّمس على المستوى المعجميّ..
ولكنّ الشّمسين على المستوى الإبداعيّ متخالفتان. فهنا الشّمس متماهيةٌ
دلاليّاً مع الإشراق والبهجة والانشراح مادام الهجر والانقطاع متماهياً مع
الظّلمة الحالكة والليل المدلهمّ.
على أنّ الدلالة التي يستخلصها المرء من صنيع المحضار هذا هي أنّ
الشّعر تشكيلٌ للعالم باللغة.. وأنْ لا قيمة لشعرٍ يتراءى (المرجع) من
ثناياه.. وإلاّ تساوى (الشّعر) (بالنظم).. وتماثلت وظائف الكلام في مستواها
الدلاليّ.
والمحضار لا يتصوّر المعاني ولا الصّور إلاّ في هيئاتٍ استعاريّةٍ
تتشكّل بها عوالم لم يكن لها وجودٌ في ذاتها قبل أن تتجسّد في لغة المحضار
الشّعريّة. قال:
وللعشق أبواب أبواب تتقلّد
واحيان يفتحها التهيواس والتفكير
وله ذِكْر فوّاح فوّاح مثل الند
وساعة تجي له ريح وتعكّره تعكير
وله نار مثل الكير
لقا يوم يطفيها لا قد رشنها البين
هنا بدا (العشق) قصراً منيفاً له أبوابٌ تغلق وتفتح. وإذا هي انغلقت
بذاتها.. فإنّما يفتحها الانشغال بالمحبوب والتفكير فيه صورةً وسلوكاً..
مواقف وأحوالاً، فيتراءى المعنويّ في هيئة بشريّةٍ لتغدو الاستعارةُ
تشخيصيّةً. ولا يقف تشكيل الاستعارة عند هذا الحدّ فإذا بالعشق يصير
إنساناً ممجّداً ذا مكارم ومحامد يتحدّث بها الرّكبان أنّى ساروا.. ثمّ
يتحوّل إلى نهرٍ يتعكّر ماؤه الصّافي بريح الهجر والغدر والقطيعة.. ليصبح
من بعد في لغة المحضار الاستعاريّة حطباً جزلاً لا تنطفئ ناره اللاذعة
المحرقة إلاّ حين يأذن المحبوب باللقاء.("لقا يوم يطفيها" ـ يغدو اللقاء
هنا ماءً ـ "لا قد رشنها البين" ـ ويبدو البين هنا عود ثقابٍ يشعل
النيران). وهذا عائدٌ إلى أنّ الحقول الدّلاليّة التي يستقي المحضار منها
صوره ليست واحدةً، وإنّما هي متعدّدة الينابيع ومتنوّعة المصادر. قال:
ويا مـا ذرى العذّال ذري الشّكوك
ويـا مـا جنينا منّه الشّوك
وكم من محازي الكذب وشروا فلوك
ونقضوا عليْ غزلي ونا حوك
بغوا القلب يسبح في شطونه
خزا الله الحواسد والشّياطين
حيث تجد صورةً نابعةً من عالم (الزّراعة)، وأخرى من عالم (البحر)،
وثالثةً من عالم (الغزل والنسيج). ومن هنا ثراء صوره من حيث تشكّلها
اللغوي،وخصوبتها من حيث نواتجها الدلاليّة.
ولقد يتراءى لك المحضار وهو يشكّل عوالمه التخييليّة في إطار (تراسل
الحواس) الذي قال به بعض شعراء الرّمزيّة في تاريخ الشّعريّة الغربيّة،
ووجد في نماذج من أشعار العرب الأوائل والأواخر على استحياء..وهنا يغدو
المسموع مرئيّاً، والمرئيّ مذوقاً...إلى آخر ما هنالك من ذلك. ولك في
قوله:(عليك بالله يا حلو المقل*** تمّم مقالك) شاهدٌ عابرٌ على ذلك حيث
تبدو (المقلتان) ـ وهما من المرئيّ المنظور ـ شيئاً حلواً يذاق. على أنّني
أرى في قوله في بيتٍ آخر من القصيدة نفسها وهو: (كثر المواعيد تلحق
بالملل*** يا عذب مالك) متحاً من قول أبي القاسم الشّابي في قصيدته (صلوات
في هيكل الحبّ) من حيث استعارة العذوبة ـ وهي مذوقةٌ ـ لجمال المحبوبة ـ
وهو مرئيٌّ منظور.
ولقد ينتج القران اللغوي في صور المحضار بنيةً تتولّد عنها علاقات
متضادة تنتج صورةً أقرب ما تكون إلى (صورة الفراغ).. حيث يوصف الشيء بضدّه
لتتولّد عنه صورةٌ رمزيّةٌ إيحائيّةٌ. وهو ما نجد مثالاً له قوله في قصيدةٍ
من قصائده المميّزة بمحاسن شتّى:
منّه نفح طيبي
وانسي والزّمان به طاب
وصفت مشاريبي
ولي منّه نديم وشراب
وهو دوا قلبي وطبّه
والمشكلة إن كان أمرضنا طبيبي
يتماثل (المحبوب) في لغة الشّعر هنا مع (الدّواء الشّافي من كلّ
الأمراض) ـ ولقد يكون المحبوب تاراتٍ كذلك ـ فيغدو الطبيب المعالج من كلّ
وجعٍ وألم.. وذلك حين يجود بوصله، ويمنح من أطايبه ما يزول الألم بأقلّه.
لكنّه يغدو هو (المحبوب) في لحظاتٍ أخرى سبب الأوجاع ومصدرها الأوّل..
فيجتمع فيه الضّدان، ويغدو كأنّه (كتابٌ أخرس ناطق) كما في تعبير أبي
تمّام. وليس يخفى عليك ما في مثل هذا الاستخدام اللغويّ من صور المفارقة
بمعناها النقديّ الحديث. وإذا كنت لا أودّ الحديث عن مظاهرها في شعر
المحضار في هذا المقام.. فحسبي وحسبك أنْ أدلّك على شاهدٍ واحدٍ من صورها
في شعره لأدعَ الحديث عنها إلى مقامٍ آخر غير هذا. قال:
عيوبه كنت نسترها وهو يبحث على عيبي
ولا حس منّي الطّيبه أشوفه يستغل طيبي
وبالبسمات والهرجة اللبيبه
يقرّب لي طرق ما هي قريبه
ويبني لي سفن في البحر بالأوهام تصري بي
ولك أن تتأمّل فيها وفي سواها من أمثالها ما شاء لك الشّعر أن تتأمّل..
وأمّا أنا فسأنتقل بك إلى الحديث عن ظاهرةٍ أخرى من ظواهر لغة الشّعر
المحضاريّ، وأعني بها:
4. (هجرة النصّ المحضاريّ) إلى أشعار الآخرين. وليس هذا بغريبٍ على
شاعرٍ عظيمٍ غدا شعره مجالاً لترسّم الآخرين من شعراء الغنية في حضرموت
خاصّةً فاحتذوا طرائقه في صناعة القصيدة وأساليب بنائها حتّى بدا شعره
جامعاً للنصّ إليه يفد الشّعراء ومنه يتناسلون. وما من شاعرٍ ظهر بعد
المحضار إلاّ وتفاعل مع شعره على صورٍ شتّى من التفاعل الكائن ما بين
النصوص. وإنّ منها ما يمكن إدراجه فيما يُعرف بالتّناصّ الإيقاعيّ. وهو
يقوم على أساسٍ من النسج العَروضيّ على تشكيلات شعر المحضار الإيقاعيّة دون
التفاتٍ إلى أثر البنية اللحنيّة في تشكيل البنية العَروضيّة في شعره. أو
لعلّ هؤلاء الشّعراء على وعيٍ بما يصنعون من حيث ترسّمهم سبل السّير على
خطا المحضار واحتذائهم النسج على منوال أشعاره ولكنّهم يُخفون ذلك بمكرٍ
ليدلّ على مهارةٍ وتمكّنٍ من صوغ الشّعر وحوكه. وسأضرب لك مثلاً شروداً في
هذا بقصيدتين للشّاعر الغنائيّ المِفَنّ عمر بن أبي بكر العيدروس. أمّا
أولاهما فتستدعي قصيدة المحضار (الحبّ أصله وفا ومسامحة ما هو عطا وخلاص).
ومطلعها:
آسف أقول إنّك مصاصي
وإنّك تخادعنا
وإنّك تحارب من رصاصي
لمّا تـحـاربنا
وإنّك بن آدم في الخلاصه
قليل النّصح والإخلاص
هذا تشكيلٌ محضاريٌّ خاصّ أنتجه إحساس الشّاعر بالموقف وتفاعله
بالبنية اللحنيّة فجاء على هذا النحو أشطاراً وقافيةً وما إلى ذلك. وتوالت
مقاطعه في متن النّصّ حتّى اكتملت بنيته.
تلقّى هذا النصّ الآخرون شعراء ومتذوّقو شعرٍ.. وكانت لكلٍّ مواقفه
منه.. لكنّ الشّاعر عمر العيدروس وجد فيه مولِّداً لنصٍّ جديد.. فنسج على
منواله العَروضيّ قوله:
فهمك لمعنى الحبّ خاطي
ما طعت تفهمنا
لا جيت باجدّد رباطي
في الحبّ تمنعنا
والحبّ ما يحكمه قاضي
ولا له عرف أو قانون
عمد العيدروس إلى التشكيل العَروضيّ في قصيدة المحضار وترسّمه.. لكنّه
خالفه في أمرين: أوّلهما تشكيل حروف الرويّ في قوافي الأشطار. وثانيهما
تغيير حركة الرويّ في شّلّة الشطر الأخير. لكنّ هذا لم يكن بمانعٍ من إدراك
هذا التماثل بين النّصّين على المستوى الوزنيّ.
شبيهٌ بهذا ما صنعه العيدروس نفسه في قصيدةٍ أخرى له صاغ شلّتها على هذا
النحو (عسى الله يعينك*** ويتولاّك لا كملت سنينك*** عسى الله يعينك). وهي
تستدعي قصيدة المحضار التي صاغ شلّتها على نحوٍ آخر وهو (يا مول شامه***
وباقة ورد عا خدّك علامه*** يا مول شامه). والتماثل بينهما على مستوى
التشكيل العَروضيّ ظاهرٌ لا تخطئه العين ولا الأذن. وسآتيك ببيتٍ من كلا
النّصّين لترى بنفسك مقدار ما بينهما من تماثلٍ يبلغ حدّ الاحتذاء. قال
المحضار:
محيتك من رسوم امذكّرة قلبي
محيتك من رسوماتي الجميله
ولا ادري فين عاد الحبّ لك مخبي
مكاني أذكرك في كلّ ليله
مكاني كلّما شفتك معدّي
بدون اشعور أشّر لك بيدّي
أو بابتسامه
وعلى هذا المنوال نسج العيدروس قوله:
هجرتك وامتحت ذكراك من قلبي
وغابت صورتك ذيك الجميله
وكل ما كان في الوجدان لك مخبي
نهيته يا محب في ظرف ليله
ولا خلّيت من ذكراك عندي
سوى الهجران منّك والتّحدّي
واشيا تدينك
لقد حرص العيدروس على مخالفة المحضار في شلّة القصيدة ليخالفه في رويّ
الشّطر الأخير من البيت. ولعلّه رأى في صنيعه هذا سبيلاً لإخفاء هذا
الترسّم والاحتذاء مع قصيدة المحضار هذه وهيهات.
شاعرٌ آخرٌ من شعراء الأغنية في حضرموت سعى إلى توليدٍ نصٍّ من جملة
نصوصٍ للمحضار وهو الشّاعر سالم أحمد با مطرف الملقّب بـ(شيرة).. فاستدعى
في بيتين متوالين من قصيدته التي جعل من قوله فيها: ( ردّدت لك كم من
قصيده*** قل لبو محضار) شلّةً عدداً من نصوص مختلفة من شعر المحضار. قال:
ما صار رمش العين
في العشقة بريدي أو بريده
قلت اشفقوا بحسين
لا شفقة ولا أيدي وديده
ما قربت الدّار البعيده
ونار بعده نار
ما ذقت طعم الكاس
والمظبي ولا ذقت الحنيده
وينك ووين الناس
وليالي المسرّات السعيده
والفايدة هي الوجيده
شلّها الإعصار
هذا نصٌّ يمتح من نصوصٍ محضاريّةٍ شتّى. فقوله: (ما صار رمش العين...)
يستدعي قول المحضار (رمز عينه بريد المحبّة...) وهو معروفٌ وذائعٌ. وقوله:
(قلت اشفقوا بحسين) منقولٌ بنصّه من قول المحضار في أغنيته (ارحم يا كحيل
العين) :
قل لهم يكفي هذا التمنّان
والمطل ما شانه
اشفقوا بحسين
وقوله: (ونار بعده نار) مشهورٌ لا يحوج إلى إشارةٍ أو تعريف. لكنّ قوله
في أوّل البيت الثاني: (ما ذقت طعم الكاس...) يوجب إشارةً إلى مصدره من شعر
المحضار.. وهو قوله في قصيدته (يا مول شامة):
متى با نلتقي في الجانب النجدي
وإلاّ عا مقد أو في مسيله
أنا وانته وبس والكاس والمظبي
وبعض أنغام منظومة جميله
ومثله قوله في الشّطر الثاني من البيت نفسه: (وينك ووين النّاس...)..
وهو مستمدٌّ من قول المحضار: (ويني ووين النّاس يا رمضان...). والطريف في
هذا الاستخدام أنّ الشّاعر با مطرف قد أدرك جوهر التركيب النفسيّ للمحضار
الذي تشفّ عنه أشعاره. وهو يقوم على هذه الثنائيّة الضّدّية بين الانغمار
في ملاذّ الحياة وأطايبها حتّى الاختناق، والسير في مدارج السّالكين رغبةً
في الاستغراق في سبل " إيّاك نعبد وإيّاك نستعين". وفي هذا وما ماثله من
تفاعل الآخرين مع نصوص المحضار ما ينبئ عن عميق أثره في من تلاه أو عاصره
من شعراء الأغنية في حضرموت.
على أنّني أودّ الإشارة ههنا إلى أنّ قصيدة الشّاعر بامطرف هذه قد خلّفت
أثراً مّا في نفس المحضار.. ولعلّها أثارت شجناً كامناً في أعماقه يأبى أنْ
يظهر فاستثارته القصيدة بطرائق تشكيلها ممّا حدا به إلى القول في إحدى
قصائده في رمزيّةٍ منقطعة النظير:
النوب نا واعرف قراصي
والجبح والمبنى
صبّ العسل من اختصاصي
ما باك تسألنا
والنوب لا كملت قراصه
يحن في وسط جبحه الخاص
أقول لعلّ الأمر جرى على مثل هذا التّصوّر.. وإلاّ فالله أعلم
بالخفايا.. والشّعراء أدرى بمقاصدهم.. وأمّا نحن فنتأوّل الكلام على قدر
الاستطاعة والاقتدار.
وإذا كنّا قد وصلنا إلى هذا الحدّ من الحديث عمّا في شعر المحضار من
ظواهر لغويّةٍ تنبئ عن عبقريّته في سبك الشّعر وحبكه فإنّني أقول لك شيئين:
إنّ كلّ واحدةٍ منها تتطلّب حديثاً مستفيضاً يلمّ بأسرارها في شعره.. هذا
أمرٌ.. وأمرٌ آخر أنّ المحضار ـ وهو شاعرٌ وجدانيٌّ يتتبّع الذّبذبات
النفسيّة التي تتولّد في أعماقه ويصوغها شعراً ـ كان شاعرَ رؤيةٍ، وكان
شعره كتاب ذاته رؤيةً للحياة، وموقفاً منها. ومثل هذا الشّاعر أنّى لك أنْ
تحيط به وبظواهر اللغة في شعره؟ ولذلك حسبك الإشارة.. وكفاك من القلادة ما
أحاط بالعنق كما يقولون.
على أنّني ـ وقد أدلجتُ في ليلٍٍ آدني السّرى فيه حتّى تعبت خيولي وكلّت
قواها، وأدركني هذا الصباح فألزمني بالسّكوت عن الكلام المباح ـ أذكر لك
صورةً من أساليب المحضار في استخدام اللفظة في شعره. وله في استخدامها طرقٌ
أذكر لك منها ثلاث صور.. الأولى: أن تكون لها الدّلالة نفسها في العربيّة
المعربة وفي العاميّة الحضرميّة، كما في قوله: (زماني الجاير عليّ جار)
والمقصود بالإشارة هنا لفظة (جار) كما لا يخفى عليك. والثانية: أن تكون لها
في العاميّة دلالةٌ غير التي لها في العربيّة المعربة، كما في قوله: (دايم
ونا فوقه محلّق فار).. حيث تدلّ اللفظة (فار) في عاميّة أهل حضرموت على
الطّيران. والثالثة: أن تكون للفظة دلالةٌ عامّيّة إذ لا صلة لها بالعربيّة
المعربة قط، كما في قوله: (أضنى غصني الباسق وهو ضيره). و(الضيرة) صفةٌ
للغصن، وقد جرى استخدامها كثيراً في شعر المحضار، وأحسبها تعني ـ عند أهل
حضرموت ـ الطراوة والنّضارة. وفي هذا ما يدلّ على قدرة المحضار على اختيار
ألفاظه وتوظيفها في نصّه على نحوٍ يمكّنها من الإيحاء بالدلالة المقصودة،
والمعنى المنشود.
|
|